م5

31/01/2026



/ الفَائِدَةُ : (5) / بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . /الْفَارِقُ بَيْنَ الْفَاعِلِ بِالْآلَةِ وَالْفَاعِلِ بِالتَّجَلِّي/ هُنَاكَ خَلْطٌ حَصَلَ لَدَىٰ الْبَعْضِ بَيْنَ الْفَاعِلِ بِالْآلَةِ ـ كَحَالِ عِزْرَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَجُنْدِهِمَا (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ـ، وَالْفَاعِلِ بِالتَّجَلِّي ـ كَحَالِ الْبَارِي الْمُسَمَّىٰ (تَعَالَىٰ ذِكْرُهُ)، وَالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلٰهِيَّةِ؛ طَبَقَاتِ حَقَائِقِ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمُ الصَّاعِدَةِ ـ وَحَكَمَ بِالْوَحْدَةِ. وَالْحَقُّ: أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقاً وَبَوْناً شَاسِعاً؛ فَإِنَّ الْفَاعِلَ بِالْآلَةِ نَاقِصٌ؛ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَىٰ حَرَكَةٍ، وَقُرْبٍ وَبُعْدٍ، وَمُوَازَاةٍ، وَمُبَاشَرَةٍ وَمُعَالَجَةٍ(1). بِخِلَافِ الْفَاعِلِ بِالتَّجَلِّي(2)؛ فَإِنَّهُ أَكْمَلُ أَنْوَاعِ الْفَاعِلِ، وَلَا نَقْصَ فِيهِ؛ وَمِنْ ثَمَّ لَا يَحْتَاجُ إِلَىٰ جُمْلَةِ ذٰلِكَ. وَإِلَىٰ هٰذَا تُشِيرُ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ، مِنْهَا: بَيَانُ الْإِمَامِ الصَّادِقِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ فِي رَدِّهِ عَلَىٰ سُؤَالِ الزِّنْدِيقِ: «... فَمَا هُوَ؟ قَالَ أَبُو عَبْدِاللهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): هُوَ الرَّبُّ، وَهُوَ الْمَعْبُودُ، وَهُوَ اللهُ ... قَالَ السَّائِلُ: فَيُعَانِي الْأَشْيَاءَ بِنَفْسِهِ؟ قَالَ أَبُو عَبْدِاللهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): هُوَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُعَانِيَ الْأَشْيَاءَ بِمُبَاشَرَةٍ وَمُعَالَجَةٍ؛ لِأَنَّ ذٰلِكَ صِفَةُ الْمَخْلُوقِ الَّذِي لَا تَجِيءُ الْأَشْيَاءُ لَهُ إِلَّا بِالْمُبَاشَرَةِ وَمُعَالَجَةٍ، وَهُوَ مُتَعَالٍ نَافِذُ الْإِرَادَةِ وَالْمَشِيئَةِ، فَعَّالٌ لِمَا يَشَاءُ». أُصول الكافي، 1: 59ـ 61/ح6. وَدَلَالَتُهُ وَاضِحَةٌ. وَصَلَّى اللهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الْأَطْهَارِ. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الْمُرَادُ مِنْ مُصْطَلَحَيِ: (الْمُبَاشَرَةِ) وَ(الْمُعَالَجَةِ): مُصْطَلَحَانِ يَصِفَانِ طَبِيعَةَ عَمَلِ الْمَخْلُوقِ ـ كَالْإِنْسَانِ وَالْمَلَكِ ـ فِي مَقَامِ تَنْفِيذِ الْأَوَامِرِ. وَبِالْجُمْلَةِ: الْمُرَادُ مِنْ مُصْطَلَحِ (الْمُبَاشَرَةِ): الْتِصَاقُ الْفَاعِلِ بِالْمَفْعُولِ بِهِ، أَيْ وُجُودُ اتِّصَالٍ مَادِّيٍّ أَوْ مُمَاسَّةٍ. فَالنَّجَّارُ ـ مَثَلًا ـ لَا بُدَّ لَهُ فِي عَمَلِهِ مِنْ لَمْسِ الْخَشَبِ لِيَبْنِيَ بَاباً، وَالْمَلَكُ لَا بُدَّ لَهُ فِي عَمَلِهِ أَيْضاً أَنْ يُحَاذِيَ الرُّوحَ لِيَسْتَلَّهَا. وَالْمُرَادُ مِنْ مُصْطَلَحِ (الْمُعَالَجَةِ): مَأْخُوذَةٌ ـ لُغَةً ـ مِنَ (الْعِلَاجِ)؛ وَهُوَ مُمَارَسَةُ الْعَمَلِ بِمَشَقَّةٍ أَوْ بَذْلُ جُهْدٍ وَتَرْتِيبُ مُقَدِّمَاتٍ. إِذَنْ: الْمَخْلُوقُ لَا يُغَيِّرُ الْأَشْيَاءَ بِمُجَرَّدِ الْإِرَادَةِ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَىٰ عِلَاجِ الْمَادَّةِ وَتَغْيِيرِ صُورَتِهَا تَدْرِيجِيّاً. وَالْخُلَاصَةُ: الْفَاعِلُ بِالْآلَةِ فَاعِلٌ خَارِجِيٌّ؛ وَمِنْ ثَمَّ يَحْتَاجُ إِلَىٰ آلَةٍ، وَزَمَانٍ، وَمَكَانٍ، وَقُرْبٍ؛ لِكَيْ يُؤَثِّرَ. (2) الْمُرَادُ مِنْ مُصْطَلَحِ: (الْفَاعِلِ بِالتَّجَلِّي): مُصْطَلَحٌ يَصِفُ كَمَالَ الْفَاعِلِيَّةِ الْإِلٰهِيَّةِ وَحَقَائِقِ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمُ الصَّاعِدَةِ فِي مَقَامِهِمُ الْمَلَكُوتِيِّ. وَبِالْجُمْلَةِ: الْمُرَادُ مِنْ عُنْوانِ (التَّجَلِّي): لُغَةً هُوَ الظُّهُورُ. وَالْمُرَادُ مِنْهُ فَلْسَفِيّاً: الْفِعْلُ الصَّادِرُ عَنِ الْفَاعِلِ مِنْ دُونِ أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَىٰ وَسَائِطَ خَارِجِيَّةٍ تُعَالِجُهُ. وَالْخُلَاصَةُ: الْفَاعِلُ بِالتَّجَلِّي هُوَ فَاعِلٌ مُحِيطٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَىٰ قُرْبٍ مَكَانِيٍّ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَىٰ الشَّيْءِ مِنْ نَفْسِهِ، وَلَا إِلَىٰ مُبَاشَرَةٍ؛ لِأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ. وَمِمَّا تَقَدَّمَ يَتَّضِحُ: أَنَّ الْمَخْلُوقَ مَسْجُونٌ فِي قَوَانِينِ الْمَادَّةِ؛ فَإِرَادَتُهُ لَا تَكْفِي لِخَلْقِ الْوَاقِعِ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَىٰ مُبَاشَرَةٍ ـ اتِّصَالٍ ـ وَمُعَالَجَةٍ ـ زَمَنٍ وَجُهْدٍ ـ . أَمَّا الْخَالِقُ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) وَطَبَقَاتُ حَقَائِقِ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمُ الصَّاعِدَةُ؛ أَيْ: (الْفَاعِلُ بِالتَّجَلِّي)، فَإِرَادَتُهُ هِيَ عَيْنُ فِعْلِهِ، فَلَا يُعَانِي الْأَشْيَاءَ وَلَا يُمَاسُّهَا.