م4
01/02/2026
/ الفَائِدَةُ : ( 4 ) / بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . / بَيَانُ حَقِيقَةِ عَالَمِ البَرْزَخِ / أَخْطَأَ فِي تَفْسِيرِ حَقِيقَةِ عَالَمِ البَرْزَخِ وَمَاهِيَّتِهِ كُلٌّ مِنَ: المُتَكَلِّمِينَ، وَالمُفَسِّرِينَ، وَالفَلَاسِفَةِ، وَالعُرَفَاءِ؛ وَجَعَلُوهُ: حَلْقَةً وَقَنْطَرَةً وَرَابِطاً بَيْنَ عَالَمِ الدُّنْيَا وَعَالَمِ القِيَامَةِ. وَالحَالُ: أَنَّ الوَارِدَ فِي بَيَانَاتِ الوَحْيِ: أَنَّهُ حَاشِيَةٌ لِعَالَمِ الدُّنْيَا، وَمِنْطَقَةُ اسْتِرَاحَةٍ فِي جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِهِ، وَمَرْحَلَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ طَرَفَيْ عَالَمِ الدُّنْيَا ـ عَالَمِ الدُّنْيَا الأُولَىٰ، وَعَالَمِ آخِرَةِ الدُّنْيَا (الرَّجْعَةِ) ـ. فَانْظُرْ: أَوَّلاً: بَيَانُ الإِمَامِ الصَّادِقِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ صَبِيحٍ، قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَيْهِ يَوْماً فَأَلْقَىٰ إِلَيَّ ثِيَاباً وَقَالَ: يَا وَلِيدُ، رُدَّهَا عَلَىٰ مَطَاوِيهَا. فَقُمْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ ): رَحِمَ اللهُ المُعَلَّىٰ بْنَ خُنَيْسٍ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ شَبَّهَ قِيَامِي بَيْنَ يَدَيْهِ بِقِيَامِ المُعَلَّىٰ بْنِ خُنَيْسٍ بَيْنَ يَدَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: أُفٍّ لِلدُّنْيَا، أُفٍّ لِلدُّنْيَا، إِنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ بَلَاءٍ، سَلَّطَ اللهُ فِيهَا عَدُوَّهُ عَلَىٰ وَلِيِّهِ، وَإِنَّ بَعْدَهَا دَاراً لَيْسَتْ هَكَذَا. فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ وَأَيْنَ تِلْكَ الدَّارُ؟ فَقَالَ: هَاهُنَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الأَرْضِ»(1). ثَانِياً: بَيَانُ الإِمَامِ البَاقِرِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ «كُنْتُ خَلْفَ أَبِي وَهُوَ عَلَىٰ بَغْلَتِهِ فَنَفَرَتْ بَغْلَتُهُ فَإِذَا رَجُلٌ شَيْخٌ فِي عُنُقِهِ سِلْسِلَةٌ وَرَجُلٌ يَتْبَعُهُ، فَقَالَ: يَا عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ، اسْقِنِي اسْقِنِي. فَقَالَ الرَّجُلُ: لَا تَسْقِهِ لَا سَقَاهُ اللهُ. قَالَ: وَكَانَ الشَّيْخُ مُعَاوِيَةَ»(2). ثَالِثاً: بَيَانُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيْضاً ، عَنْ أَبِي الصَّخْرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: «دَخَلْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي عَلَىٰ عِيسَىٰ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَبِي طَاهِرٍ العَلَوِيِّ. قَالَ أَبُو الصَّخْرِ: فَأَظُنُّهُ مِنْ وُلْدِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو طَاهِرٍ فِي دَارِ الصَّيْدِيِّينَ نَازِلاً. قَالَ: فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ عِنْدَ العَصْرِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ مِنْ مَاءٍ وَهُوَ يَتَمَسَّحُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْنَا السَّلَامَ، ثُمَّ ابْتَدَأَنَا فَقَالَ: مَعَكُمْ أَحَدٌ؟ فَقُلْنَا: لَا. ثُمَّ الْتَفَتَ يَمِيناً وَشِمَالاً هَلْ يَرَىٰ أَحَداً، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي أَنَّهُ كَانَ مَعَ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ بِمِنًى وَهُوَ يَرْمِي الجَمَرَاتِ، وَإِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ ) رَمَىٰ الجَمَرَاتِ، قَالَ: فَاسْتَتَمَّهَا ثُمَّ بَقِيَ فِي يَدِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ خَمْسُ حَصَيَاتٍ؛ فَرَمَىٰ اثْنَتَيْنِ فِي نَاحِيَةٍ وَثَلَاثَةً فِي نَاحِيَةٍ. فَقَالَ لَهُ جَدِّي: جُعِلْتُ فِدَاكَ! لَقَدْ رَأَيْتُكَ صَنَعْتَ شَيْئاً مَا صَنَعَهُ أَحَدٌ قَطُّ؛ رَأَيْتُكَ رَمَيْتَ الجَمَرَاتِ ثُمَّ رَمَيْتَ بِخَمْسَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَةً فِي نَاحِيَةٍ وَاثْنَتَيْنِ فِي نَاحِيَةٍ؟! قَالَ: نَعَمْ، إِنَّهُ إِذَا كَانَ كُلُّ مَوْسِمٍ أَخْرَجَا الفَاسِقَيْنِ الغَاصِبَيْنِ، ثُمَّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا هَاهُنَا، لَا يَرَاهُمَا إِلَّا إِمَامٌ عَادِلٌ؛ فَرَمَيْتُ الأَوَّلَ اثْنَتَيْنِ، وَالآخَرَ ثَلَاثَةً؛ لِأَنَّ الآخَرَ أَخْبَثُ مِنَ الأَوَّلِ»(3). / إِدْرَاكُ أَصْحَابِ العُلُومِ الحَدِيثَةِ لِبَعْضِ حَقَائِقِ البَرْزَخِ / / جَمِيعُ أَعْمَالِ العِبَادِ تُعْرَضُ عَلَىٰ أَهْلِ البَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم وَهُمْ فِي عَالَمِ البَرْزَخِ / هَذَا، وَقَدْ أَدْرَكَ أَصْحَابُ العُلُومِ الحَدِيثَةِ: عَالَمَ البَرْزَخِ وَبَعْضَ حَقَائِقِهِ وَآثَارِهِ، وَأَنَّ لِلأَمْوَاتِ أَنْشِطَةً فِيهِ وَإِدَارَةً لِأُمُورِ وَشُؤُونِ الأَحْيَاءِ وَكَوْكَبِ الأَرْضِ. وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَيْسَ لِعَالَمِ البَرْزَخِ نَئِيٌّ وَانْقِطَاعٌ عَنْ عَالَمِ الدُّنْيَا. وَهَذَا يَتَوَافَقُ مَعَ مَا رَوَاهُ الفَرِيقَانِ: مِنْ أَنَّ أَعْمَالَ العِبَادِ تُعْرَضُ عَلَىٰ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله) فِي كُلِّ يَوْمٍ إِلَىٰ قِيَامِ السَّاعَةِ، بَلْ وَتُعْرَضُ عَلَىٰ أَئِمَّةِ أَهْلِ البَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم. فَلَاحِظْ: أَوَّلاً: بَيَانُ أَبِي الحَسَنِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: «سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ): {اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}(4) قَالَ: إِنَّ أَعْمَالَ العِبَادِ تُعْرَضُ عَلَىٰ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله) كُلَّ صَبَاحٍ؛ أَبْرَارَهَا وَفُجَّارَهَا فَاحْذَرُوا»(5). ثَانِيًا: بَيَانُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: «قَوْلُهُ: {قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} قَالَ: هُمُ الأَئِمَّةُ، تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ أَعْمَالُ العِبَادِ كُلَّ يَوْمٍ إِلَىٰ يَوْمِ القِيَامَةِ»(6). وَهَذَا بُرْهَانٌ وَحْيَانِيٌّ ـ كَسَابِقِهِ ـ دَالٌّ عَلَىٰ أَنَّ مَسْؤُولِيَّةَ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله) وَسَائِرِ أَهْلِ البَيْتِ الأَطْهَارِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم وَرِعَايَتَهُمْ وَوِلَايَتَهُمْ وَحَاكِمِيَّتَهُمْ ـ فِي بِنَاءِ وَتَرْبِيَةِ البَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ وَالسَّيْرِ بِهَا إِلَىٰ الكَمَالِ؛ كَيْمَا يَصِلَ الإِنْسَانُ إِلَىٰ الفَرْدِ الكَامِلِ؛ وَالمَدِينَةِ إِلَىٰ المَدِينَةِ الفَاضِلَةِ ـ بَاقِيَةٌ عَلَىٰ حَالِهَا إِلَىٰ قِيَامِ السَّاعَةِ، بَلْ وَبَعْدَهَا. بَلْ، هِيَ فِي ازْدِيَادٍ؛ لِأَنَّ سَيِّدَ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله) حِينَمَا انْتَقَلَ إِلَىٰ الرَّفِيقِ الأَعْلَىٰ لَمْ يَكُنْ مِنْ وُزَرَائِهِ الأَئِمَّةُ التِّسْعَةُ المَعْصُومُونَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الحُسَيْنِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم، وَبَعْدَهُ أَشْرَقَتْ أَنْوَارُهُمْ وَتَشَرَّفَتْ بِهِمُ النَّشْأَةُ الأَرْضِيَّةُ، وَكَانُوا أَصْحَابَ دَوَائِرَ اصْطِفَائِيَّةٍ وَنُفُوذٍ وَوِلَايَةٍ وَحَاكِمِيَّةٍ وَمَسْؤُولِيَّةٍ، وَمَعَهُ ازْدَادَتْ مَسْؤُولِيَّةُ جَدِّهِمْ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله)؛ لِازْدِيَادِ نُفُوذِهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأَطْهَارِ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) مُخْتَصَرُ البَصَائِرِ: ١٦٧/ح١٤٤ ـ ٤٤. الكَافِي، ٨: ٣٠٤/ح٤٦٩. (2) بَصَائِرُ الدَّرَجَاتِ، ٢: ٤٤/ح١٠٠٩ ـ ١. وَعَلَىٰ مِنْوَالِهِ: ح١٠١٠ ـ ٢، ١٠١١ـ ٣، ١٠١٢ـ ٤، ١٠١٣ـ ٥، ١٠١٤ ـ ٦، ١٠١٥ ـ ٧. الاِخْتِصَاصُ: ٢٧٥. (3) بَصَائِرُ الدَّرَجَاتِ: ٤٨/ح١٠١٦ ـ ٨. الاِخْتِصَاصُ: ٢٧٧. (4) التَّوْبَةُ: ١٠٥. (5) بَصَائِرُ الدَّرَجَاتِ، ٢: ٣١٧/ح١٥٠٤ ـ ٢. (6) بَصَائِرُ الدَّرَجَاتِ، ٢: ٣٢٢/ح١٥٢٢ ـ ٤.