/ الفَائِدَةُ : (6 ) /
07/02/2026
/ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَىٰ أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . /الْمَقْصُودُ الْغَائِيُّ مِنْ جُمْلَةٍ مِنْ بَيَانَاتِ الْوَحْيِ الْوَارِدَةِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ عِيسَىٰ وَيَحْيَىٰ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)/ /تَجَلِّيَاتُ الْمَقْصِدِ الْأَسْمَىٰ فِي النُّصُوصِ الْوَحْيَانِيَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الْمَسِيحِ وَيَحْيَىٰ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)/ إِنَّ الغَايَةَ القُصْوَىٰ، وَالمَقْصِدَ الأَسْمَىٰ لِجُمْلَةٍ مِنَ المُعْطَيَاتِ الوحيانية المَعْرِفِيَّةِ الوَارِدَةِ فِي شَأْنِ النَّبِيَّيْنِ الكَرِيمَيْنِ : عِيسَىٰ ابْنِ مَرْيَمَ ، وَيَحْيَىٰ بْنِ زَكَرِيَّا (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) ـ منها : 1 ـ بيان قَوْلِهِ تَعَالَىٰ : ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾(1). 2 ـ بَيَانِ قَوْلِهِ (جَلَّ ذِكْرُهُ): ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾(2) ـ تَتَمَحْوَرُ حَوْلَ التَّأْسِيسِ المَنْطِقِيِّ وَالشَّرْعِيِّ لِإِمَامَةِ أَهْلِ البَيْتِ الذينَ نَهَضُوا بِأَعْبَاءِ المَقَامِات والمسؤوليات الالهية فِي سِنٍّ مُبَكِّرَةٍ، وَهُمُ: الجَوَادُ، وَالهَادِي، وَالعَسْكَرِيُّ، وَالحُجَّةُ ابْنُ الحَسَنِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ)؛ لِيَكُونَ هَذَا الإِخْبَارُ القُرْآنِيُّ بَيَانًا لِإِمْكَانِ الفَيْضِ الإِلَهِيِّ وَنَيْلِ المَقَامَاتِ العُلْيَا قَبْلَ بُلُوغِ الحُلُمِ. وَتَتَعَاضَدُ مَعَ هَذَا المَنْحَى المَعْرِفِيِّ مَأْثُورَاتِ بَيَانِات الوَحْيِ المعرفية الاخرى ؛ وَالَّتِي مِنْ جَلِيِّ مَصَادِيقِهَا مَا وَرَدَ في بيان الإِمَامِ البَاقِرِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي قَوْلِهِ : « ... فِينَا ضَرَبَ اللهُ الأَمْثَالَ فِي القُرْآنِ ...»(3) ؛ حَيْثُ تَبْدُو دَلَالَتُهُ عَلَىٰ هَذَا المَقْصِدِ جَلِيَّةً لَا لَبْسَ فِيهَا، وَبُرْهَانًا سَاطِعًا عَلَىٰ وَحْدَةِ السِّيَاقِ المَلَكُوتِيِّ فِي حَقِّهِمْ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ). وبالجملة : نَهَض الأَئِمَّةَ الأَرْبَعَةَ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) بِأَعْبَاءِ ومَهَام الإِمَامَةِ الإِلَهِيَّةِ فِي عُنْفُوانِ صِبَاهُمْ ، فَنَطَقُوا بِمَنْطِقِهَا الْإِلٰهِيِّ اللَّدُنِّيِّ الهَيْمَنِيِّ الشَّامِلِ، وَاضْطَلَعُوا بِمَهَامِّ الحُكْمِ وَالحِكْمَةِ وَالحَاكِمِيَّةِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَأَدَارُوا شُؤُونَهَا بِقُدْرَةٍ قُدُسِيَّةٍ وَاصْطِفَاءٍ رَبَّانِيٍّ، وَهَيْمَنَةٍ إِلٰهِيَّةٍ، ، وَبِكَفَاءَةٍ وَمَقَامَاتٍ مَلَكُوتِيَّةٍ أَعْظَمَ وَأَخْطَرَ وتَرْبُو عَنْ كُلِّ قِيَاسٍ عَمَّا حَبَا اللهُ بِهِ النَّبِيَّيْنِ: عِيسَىٰ وَيَحْيَىٰ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ). فَمَا كَانَ يُدِيرُهُ النَّبِيَّانِ مِنْ شُؤُونِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، يُعَدُّ ـ عِنْدَ المُقَايَسَةِ ـ أَمْراً يَسِيراً أَمَامَ الوِلَايَةِ الكَوْنِيَّةِ لِأَئِمَّةِ أَهْلِ البَيْتِ(صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) ، بل الفَارِقُ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مُتَنَاهٍ؛ إِذْ إِنَّ دَوْلَةَ أَهْلِ البَيْتِ تَسْتَوْعِبُ البَشَرِيَّةَ جَمْعَاءَ، بَلْ تَهَيْمِنُ عَلَىٰ سَائِرِ العَوَالِمِ وَالمَخْلُوقَاتِ غير المتناهية ، ويُدِيرُونَ مَلَفَّاتٍ كَوْنِيَّةً بَالِغَةَ التَّعْقِيدِ، بِتَوَازُنٍ عِلْمِيٍّ مَهُولٍ، وَاقْتِدَارٍ مَعْرِفِيٍّ بَدِيعٍ يَعْلُو قِمَمَ الإِدْرَاكِ البَشَرِيِّ. وَمِنْ هُنَا، تَدَكْدَكَتْ أَمَامَ سَطْوَةِ نُورِهِمْ أَرْكَانُ الدَّوْلَةِ العَبَّاسِيَّةِ العَاتِيَةِ، فَخَوَىٰ جَبَرُوتُهَا وَتَهَاوَتْ عَظَمَتُهَا، وَبَقِيَتْ بِبَرَكَتِهِمْ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) الطَّائِفَةُ الإِمَامِيَّةُ -فِي حَاضِرِ الحُضُورِ وَأَمَدِ الغَيْبَةِ- بُنْيَاناً مَرْصُوصاً، وَمُنَافِساً صَلْباً يُقِضُّ مَضَاجِعَ الجَبَابِرَةِ، وَيُزَلْزِلُ عُرُوشَ الطَّوَاغِيتِ وَقُوَىٰ الضَّلَالِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَأَوَانٍ. وَتُعَدُّ هَذِهِ الشَّوَاهِدُ بَرَاهِينَ وَحْيَانِيَّةً، وَمُعْطَيَات حَضَارِيَّةً مَادِّيَّةً وَحِسِّيَّةً، نَاطِقَةً بِذَاتِهَا ـ بِمَعْزِلٍ عَنْ أَيِّ شَائِبَةِ غُلُوٍّ ـ عَلَىٰ أَنَّ كَمَالَ الرَّشَادِ المَوْدُوعِ لَدَىٰ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ)، يَرْبُو فِي مَرَاتِبِهِ العِلْمِيَّةِ وَأَبْعَادِهِ الوُجُودِيَّةِ عَنِ الرَّشَادِ المُتَحَقِّقِ عِنْدَ النَّبِيَّيْنِ الكَرِيمَيْنِ: عِيسَىٰ وَيَحْيَىٰ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ). وَصَلَّى اللهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الْأَطْهَارِ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) مَرْيَمُ : ٢٩ـ ٣٤. (2) مَرْيَمُ: ١٢. (3) بِحَارُ الْأَنْوَارِ، ٢٤: ٢٣٢ـ ٢٣٣. الِاحْتِجَاجُ: ١٧٨