/ الفَائِدَةُ : (5) /
11/03/2026
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . /تَجَلِّيَاتُ مقام سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فِي مَحَاضِنِ الْوَحْيِ وَعَالَمِ الرَّجْعَةِ/ ثَمَّةَ شَأْنٌ مِنْ شُؤُونِ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) يَتَجَلَّى فِي عَالَمِ الرَّجْعَةِ ؛ بَالِغُ الْعَظَمَةِ ، مُحَيِّرٌ لِلْعُقُولِ وَالْأَلْبَابِ ، وَمِنَ الْأَسْرَارِ الْمَكْنُونَةِ الَّتِي أَشَارَتْ إِلَيْهَا بَيَانَاتُ الْوَحْيِ ؛ وَمُؤَدَّاهُ : أَنَّ كُلَّ مَا نَهَضَ بِهِ سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) مِنْ مَسْؤُولِيَّاتِ الْإِدَارَةِ وَالتَّرْبِيَةِ ، وَوَظَائِفِ الْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ ، وَتَكْمِيلِ النُّفُوسِ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا ـ نَشْأَتِنَا الْأَرْضِيَّةِ هَذِهِ ـ مَا هِيَ إِلَّا مَهَامُّ صُغْرَىٰ إِذَا مَا قِيسَتْ بِعِظَمِ الْمَسْؤُولِيَّاتِ الْمُلْقَاةِ عَلَى عَاتِقِهِ الشَّرِيفِ ، وَأَدْوَارِهِ الْقِيَادِيَّةِ وَالتَّكْمِيلِيَّةِ الْكُبْرَىٰ الَّتِي سَيُبَاشِرُهَا فِي عَالَمِ الرَّجْعَةِ بَيْنَ يَدَيِ الْقِيَامَةِ . فَلَاحِظْ : بَيَانَاتِ الْوَحْيِ الْمَعْرِفِيَّةَ ، مِنْهَا : 1ـ بَيَانُ تَفْسِيرِ الْإِمَامِ الْبَاقِرِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) : « فِي قَوْلِهِ (عَزَّ وَجَلَّ) : [يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ](1) يَعْنِي بِذَلِكَ مُحَمَّداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَقِيَامَهُ فِي الرَّجْعَةِ يُنْذِرُ فِيهَا ، وَقَوْلُهُ : [إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِلْبَشَرِ](2) ، يَعْنِي مُحَمَّداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) « نَذِيراً لِلْبَشَرِ» فِي الرَّجْعَةِ ، وَفِي قَوْلِهِ : [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ](3) فِي الرَّجْعَةِ »(4). 2ـ بَيَانُ تَفْسِيرِهِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) أَيْضاً : « ... وَقَوْلُهُ : [يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ] ، يَعْنِي بِذَلِكَ مُحَمَّداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) قِيَامَهُ فِي الرَّجْعَةِ يُنْذِرُ فِيهَا ، وَقَوْلُهُ : [إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِلْبَشَرِ] ، يَعْنِي مُحَمَّداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) نَذِيرٌ لِلْبَشَرِ فِي الرَّجْعَةِ . وَقَوْلُهُ : [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ](5) قَالَ: يُظْهِرُهُ اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ) فِي الرَّجْعَةِ ... »(6). وَدَلَالَتُهُمَا وَاضِحَةٌ . وَلَكَ أَنْ تَقُولَ : إِنَّ سَيِّدَ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) هُوَ الْمُعَلِّمُ الْإِلَهِيُّ الْأَوَّلُ ، وَالْمُرَبِّي الْوَحْيَانِيُّ الْخَاتِمُ الَّذِي تَرْتَقِي الْبَشَرِيَّةُ لِاسْتِحْقَاقِ فَيْضِهِ ، وَيَتَجَلَّى كَمَالُ دَوْرِهِ فِي "آخِرَةِ الدُّنْيَا" (عَالَمِ الرَّجْعَةِ) ، وَهِيَ الدَّوْلَةُ الظَّافِرَةُ لِآلِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) . لَقَدْ تضافَرَتْ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ فِي التَّأْكِيدِ عَلَى أَنَّه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) هُوَ الْمُعَلِّمُ الْأَوَّلُ ، وَالْمُزَكِّي الْأَقْدَمُ ، وَالْمَبْعُوثُ الْإِلَهِيُّ الْمُتَقَدِّمُ فِي بَدْءِ الْخَلِيقَةِ إِلَى جُمْلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَمِنْ شَوَاهِدِ ذَلِكَ : 1ـ بَيَانُ الْإِمَامَيْنِ الْبَاقِرِ وَالصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا) : « إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَلْقَ وَهِيَ أَظِلَّةٌ ، فَأَرْسَلَ رَسُولَهُ مُحَمَّداً فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَذَّبَهُ ، ثُمَّ بَعَثَهُ فِي الْخَلْقِ الْآخَرِ فَآمَنَ بِهِ مَنْ كَانَ آمَنَ بِهِ فِي الْأَظِلَّةِ ، وَجَحَدَهُ مَنْ جَحَدَ بِهِ يَوْمَئِذٍ ، فَقَالَ : [مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ](7)»(8). 2ـ بَيَانُ الْإِمَامِ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : « سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَنْ قَوْلِ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ) : [هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى](9) قَالَ : إِنَّ اللهَ (تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ) لَمَّا ذَرَأَ الْخَلْقَ فِي الذَّرِّ الْأَوَّلِ فَأَقَامَهُمْ صُفُوفاً قُدَّامَهُ بَعَثَ اللهُ مُحَمَّداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَآمَنَ بِهِ قَوْمٌ ، وَأَنْكَرَهُ قَوْمٌ ، فَقَالَ اللهُ : [هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى] يَعْنِي بِهِ مُحَمَّداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) حَيْثُ دَعَاهُمْ إِلَى اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ) فِي الذَّرِّ الْأَوَّلِ »(10). 3ـ بَيَانُهُ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) أَيْضاً لِلْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ « ... يَا مُفَضَّلُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ (تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ) بَعَثَ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَهُوَ رُوحٌ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَهُمْ أَرْوَاحٌ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلْقِ بِأَلْفَيْ عَامٍ ؟ قُلْتُ : بَلَىٰ ، قَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ وَطَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ وَوَعَدَهُمُ الْجَنَّةَ عَلَى ذَلِكَ وَأَوْعَدَ مَنْ خَالَفَ مَا أَجَابُوا إِلَيْهِ وَأَنْكَرَهُ النَّارَ ؟ قُلْتُ : بَلَىٰ ... »(11). 4ـ بَيَانُهُ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) أَيْضاً : « مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيّاً أَكْرَمَ مِنْ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) ، وَلَا خَلَقَ اللهُ قَبْلَهُ أَحَداً ، وَلَا أَنْذَرَ اللهُ خَلْقَهُ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : [هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى] ... فَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ مُطَاعٌ فِي الْخَلْقِ ، وَلَا يَكُونُ بَعْدَهُ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ فِي كُلِّ قَرْنٍ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا »(12). وَدَلَالَةُ هَذِهِ البيانات الوحيانية مُجْتَمِعَةً نَاصِعَةٌ فِي إِثْبَاتِ "الْأَوَّلِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ" لِسَيِّد الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فِي مَقَامَاتِ الْهِدَايَةِ وَالتَّشْرِيعِ وَالْإِنْذَارِ . وَعَلَى هَذَا الْمِقْيَاسِ الرُّتْبِيِّ ، تَنْسَحِبُ أَحْوَالُ وَشُؤُونُ سَائِرِ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ). /الذُّرْوَةُ الْعُلْيَا لِدَوْلَةِ الظُّهُورِ: نَشْأَةُ الرَّجْعَةِ النَّبَوِيَّةِ/ غَيْرَ أَنَّ مَا يَضْطَلِعُونَ بِهِ مِنْ أَدْوَارٍ مِحْوَرِيَّةٍ ، وَمَا يُحَقِّقُونَهُ مِنْ إِنْجَازَاتٍ كَوْنِيَّةٍ مَهُولَةٍ ـ بَدْءاً مِنْ ظُهُورِ الْقَائِمِ الْحُجَّةِ (عَجَّلَ اللهُ فَرَجَهُ) وَإِقَامَةِ دَوْلَتِهِ الْمُبَارَكَةِ ، وُصُولاً إِلَى رَجْعَةِ الْأَئِمَّةِ الْأَطْهَارِ وَتَشْيِيدِ دُوَلِهِمُ الْإِلَهِيَّةِ (الْعَلَوِيَّةِ ، وَالْحَسَنِيَّةِ ، وَالْحُسَيْنِيَّةِ ...) ـ مَا هِيَ فِي جَوْهَرِهَا إِلَّا مَحَاضِنُ تَهْيِئَةٍ ، وَمَرَاحِلُ تَمْهِيدٍ وَإِعْدَادٍ لِلْبَشَرِيَّةِ ؛ بُغْيَةَ الِارْتِقَاءِ بِهَا إِلَى أَقْصَى كَمَالَاتِهَا ، وَنَيْلِ أَعْظَمِ سَعَادَاتِهَا الَّتِي لَمْ تَتَنَسَّمِ الطَّبِيعَةُ أَرِيجَهَا قَطُّ. وَذَلِكَ كُلُّهُ يَصُبُّ فِي غَايَةِ الْغَايَاتِ : وَهِيَ رَجْعَةُ "الْمُعَلِّمِ الْأَوَّلِ" ، وَ"الْبَابِ الْأَعْظَمِ" ، وَ"الْغَيْبِ الْأَكْبَرِ" : سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) ؛ حَيْثُ يَنْفَلِقُ الْكَوْنُ بِضِيَاءِ مُحَيَّاهُ الْأَبْلَجِ ، وَتَعْبَقُ الْأَرْجَاءُ بِطِيبِ عُنْصُرِهِ الْأَقْدَسِ عِنْدَ إِقَامَةِ "دَوْلَتِهِ الْإِلَهِيَّةِ الْعُظْمَى" ؛ تِلْكَ الدَّوْلَةِ الَّتِي سَتَشْهَدُهَا الْبَشَرِيَّةُ حَتْماً فِي خَاتِمَةِ عَالَمِ الرَّجْعَةِ ، وَهِيَ الدَّوْلَةُ الْأَطْوَلُ مَدَىً ، وَالْأَعْظَمُ شَأْناً وَاقْتِدَاراً مِنْ كُلِّ مَا سَبَقَهَا مِنْ دُوَلِ الْمَعْصُومِينَ . وَحِينَئِذٍ ، يَتَحَقَّقُ الِاسْتِعْلَاءُ التَّامُّ لِدِينِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ ، ظَافِراً بِأَضْدَادِهِ ، قَاهِراً لِجَاحِدِيهِ . وَهَذَا مَا اسْتَفَاضَتْ بِهِ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ الْمَعْرِفِيَّةُ ، مِنْهَا : أَوَّلاً : بَيَانُ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ : [يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ](13). ثَانِيّاً : بَيَانُ قَوْلِهِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) : [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ](14). وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الْأَطْهَارِ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) المدَّثِّر : 1ـ2 . (2) المدَّثِّر : 35ـ36 . (3) سبأ : 28 . (4)بحار الأَنوار ، 53 : 42/ح10. (5)التوبة : 33 . (6)بحار الأَنوار ، 53 : 64/ح55. (7)يونس : 74 . (8)بحار الأَنوار ، 5 : 259/ح64. (9)النجم : 56 . (10)بحار الأَنوار ، 5 : 234/ح7. (11)بحار الأَنوار ، 39 : 194ـ 195/ح5. علل الشرائع : 65. (12)بحار الأَنوار ، 16 : 371/ح82. مجالس الشَّيخ : 63. (13)الصف : 8ـ9 . (14)القصص : 5