/ الفَائِدَةُ : (1) /

14/03/2026



بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . /تَجَلِّيَاتُ القِيَامِ وَانْكِشَافُ الأَوْهَامِ : نَظَرَةٌ مَعْرِفِيَّةٌ فِي كُنْهِ المَعَادِ/ /عَالَمُ الْمَعْرِفَةِ وَالْقِيَامَةِ : حَقِيقَةُ الْقِوَامِ وَانْكِشَافُ الْأَوْهَامِ/ يَسْتَمِدُّ "عَالَمُ القِيَامَةِ" مَشْرُوعِيَّةَ تَسْمِيَتِهِ مِنْ كَوْنِهِ الأَمَدَ الَّذِي تَنْجَلِي فِيهِ غَوَامِضُ الحَقَائِقِ ، وَتَتَبَدَّىٰ فِيهِ وَحْدَانِيَّةُ القِوَامِ لِلّٰهِ تَعَالَىٰ وَحْدَهُ ؛ فَهُوَ عَالَمُ القِيَامِ بِالحَقِّ ، وَقِيَامِ الخَلْقِ لِلْحَقِّ . وَهَذَا مَا تُشِيرُ إِلَيْهِ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ الْمَعْرِفِيَّةُ ، مِنْهَا : 1 ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) : ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (1)(2). 2 ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (عَزَّ مِنْ قَائِلٍ) : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾ (3)(4). وَمُؤَدَّىٰ ذَلِكَ : أَنَّ كُلَّ حِجَابٍ كَثِيفٍ ، أَوْ لِحَاظٍ وَهْمِيٍّ يَحْجُبُ الذَّاتَ عَنْ شُهُودِ عَظَمَةِ الخَالِقِ سَيَنْدَكُّ فِي ذَلِكَ العَالَمِ ؛ لِتَعُودَ المَوْجُودَاتُ إِلَىٰ مَحْضِ افْتِقَارِهَا الوجودِيِّ ، مُصْطَفَّةً فِي رُتْبَةِ المَمْلُوكِيَّةِ المُطْلَقَةِ وَالفَنَاءِ فِي كِبْرِيَاءِ الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ. /الآثَارُ الْمَعْرِفِيَّةُ وَالْقِيَمِيَّةُ لِشُهُودِ الْمَعَادِ : انْدِكَاكُ الْأَنِيَّةِ وَتَجَلِّيَاتُ الْأَخْلَاقِ/ بِنَاءً عَلَىٰ مَا تَقَدَّمَ ؛ فَإِنَّ "عَالَمَ القِيَامَةِ" لَيْسَ مُجَرَّدَ مَوْعِدٍ زَمَنِيٍّ ، بَلْ هُوَ مَظْهَرٌ مَعْرِفِيٌّ نُورَانِيٌّ ، وَمَشْهَدٌ رُوحِيٌّ مُتَوَهِّجٌ ، يَسْتَبِدُّ بِالبَصَائِرِ لِعَظَمَتِهِ وَمَهَابَتِهِ . وَإِنَّ تَرَسُّخَ هَذِهِ المَعْرِفَةِ الشُّهُودِيَّةِ فِي النَّفْسِ هُوَ المَعِينُ الَّذِي تَنْبَجِسُ مِنْهُ مَكَارِمُ الأَخْلَاقِ ، وَبِهِ تَنْدَكُّ سَوَاتِرُ الرَّذَائِلِ ، وَتَتَبَدَّدُ حُجُبُ الظُّلُمَاتِ . هُنَالِكَ يَنْكَشِفُ لِلْعِيَانِ : أَنَّ مَا شَمَخَ مِنْ جِبَالِ "أَنِيَّاتِ" المَخْلُوقَاتِ ، وَتَوَهُّمِ اسْتِقْلَالِيَّتِهَا ، وَمَقَايِيسِهَا الأَرْضِيَّةِ السَّابِقَةِ ؛ لَمْ يَكُنْ فِي جَوْهَرِ الحَقِيقَةِ إِلَّا سَرَاباً مَحْضاً ، وَوَهْماً مُتَبَدِّداً. وَلَمَّا كَانَ الإِنْسَانُ يَرْسُفُ فِي أَغْلَالِ الأَوْهَامِ فِي هَذِهِ النَّشْأَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ ، فَقَدْ عَمَّتِ الظُّلُمَاتُ ، وَتَفَشَّتِ الأَسْقَامُ القَلْبِيَّةُ وَالمَعْرِفِيَّةُ. وَهَذِهِ الْمَعَارِفُ لَيْسَتْ تَنْظِيراً تَجْرِيدِيّاً بَارِداً أَوْ خَوَاءً فِكْرِيّاً ، بَلْ هِيَ لُبُّ سَعَادَةِ الْمَخْلُوقِ وَمِعْرَاجُ فَلَاحِهِ وَإِنْ تَقَلَّبَ فِي عَالَمِ الْمُلْكِ . وَمِنْ ثَمَّ ، مَتَى مَا تَرَقَّى الْعَبْدُ فِي مَدَارِجِ الْكَمَالِ ، اسْتَحَالَ وُجُودُهُ مَظْهَراً لِتَجَلِّي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾(5). /الآيَتِيَّةُ الوُجُودِيَّةُ وَالقِيَامُ القَيُّومِيُّ : نَفْيُ الِانْفِصَالِ وَتَفْنِيدُ دَعَاوَى التَّعْطِيلِ/ وَمُؤَدَّىٰ كُلِّ مَا تَقَدَّمَ : أَنَّ تَمَامَ حَقِيقَةِ المَخْلُوقِ إِنَّمَا تَتَجَسَّدُ فِي "مِرْآتِيَّتِهِ" وَآيَتِيَّتِهِ لِخَالِقِهِ ؛ فَكُلُّ مَا سِوَىٰ هَذَا الِارْتِبَاطِ الوُجُودِيِّ الصِّرْفِ لَيْسَ إِلَّا مَحْضَ وَهْمٍ وَسَرَابٍ(6). وَمِنْ ثَمَّ ، فَلَا سَبِيلَ لِتَعْطِيلِ المَعْرِفَةِ الإِلَهِيَّةِ فِي عَالَمِ المُمْكِنَاتِ بِذَرِيعَةِ انْقِطَاعِ الصِّلَةِ بَيْنَ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ ؛ إِذِ القَوْلُ بِالِانْفِصَالِ تَوَهُّمٌ يَتَبَدَّدُ أَمَامَ سُطُوعِ حَقِيقَةِ "القِيَامِ القَيُّومِيِّ" ، وَإِنْ غَلَبَ هَذَا الوَهْمُ عَلَىٰ أَكْثَرِ الأَفْهَامِ ، وَحَجَبَ أَنْوَارَ اليَقِينِ عَنِ الأَوْهَامِ . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الْأَطْهَارِ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) غَافِر : 16. (2) هَذِهِ أَحَدُ تَأْوِيلَاتِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. (3) قَاعاً صَافِيَةً. (4) طه : 105 ، 106. (5) الزُّمَر : 69. (6) إِنَّ خُصُومَ الدِّينِ لَا يَنْشُدُونَ لِلْبَشَرِيَّةِ صَلَاحاً ؛ إِذِ الْخَيْرُ الْمَحْضُ لَا يَتَحَقَّقُ اسْتِقَامَةً وَقِوَاماً إِلَّا بِإِرْسَاءِ مَبْدَأِ "الْقِيَامَةِ" وَ"الْحِسَابِ" رُكْنًا رَكِيناً فِي صَرْحِ الْوُجُودِ الْإِنْسَانِيِّ ؛ فَمَنْ عَزَلَ الْمَصِيرَ عَنِ الْمَسِيرِ ، فَقَدْ أَوْرَدَ الْبَشَرِيَّةَ مَوَارِدَ التَّيْهِ وَالضَّلَالِ