/ الفَائِدَةُ : ( 2 ) /

14/03/2026



بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . / اسْمُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَنْزٌ وَحْيَانِيٌّ مَعْرِفِيٌّ خَطِيرٌ جِدًّا / /حَقِيقَةُ الْجِبَالِ وَجَلَاءُ الْمَعْرِفَةِ/ /ثَمَرَةُ الِاسْتِقَامَةِ وَرَبِيعُ الْمَعْرِفَةِ/ أَحَدُ مَفَاتِيحِ مَعْرِفَةِ عَالَمِ الْقِيَامَةِ : مَعْرِفَةُ اسْمِهِ الْعَظِيمِ ؛ فَإِنَّهُ مِفْتَاحٌ وَحْيَانِيٌّ وَمَعْرِفِيٌّ عَظِيمٌ وَمَهُولٌ جِدًّا ، وَمَعْرِفَتُهُ تُوجِبُ وَتُوَلِّدُ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَتُذِيبُ الرَّذَائِلَ وَالْحُجُبَ الظُّلْمَانِيَّةَ وَالظُّلُمَاتِ الْأَخْلَاقِيَّةَ وَالْمَعْرِفِيَّةَ . وَيَحْصُلُ لِلْمَخْلُوقِ عَدَمُ الِاحْتِجَابِ عَنْ خَالِقِهِ تَعَالَىٰ ، وَعَدَمُ الْغَفْلَةِ عَنْهُ (جَلَّ ذِكْرُهُ) ، بَلْ وَيَحْصُلُ لَهُ تَوَجُّهٌ شَدِيدٌ نَحْوَهُ (جَلَّ ثَنَاؤُهُ) ، وَحِينَهَا تَصِيرُ ذَاتُ الْمَخْلُوقِ عَالَمَ نُورٍ. وَعَالَمُ الْقِيَامَةِ عَالَمٌ بِحَدِّ نَفْسِهِ ؛ أَطْوَلُ عُمْرًا ، وَأَعْظَمُ وَأَشَدُّ قُوَّةً وَقُدْرَةً مِنْ دُونِ قِيَاسٍ مِنْ عَالَمِنَا الدُّنْيَوِيِّ الْأَرْضِيِّ هَذَا ، بَلْ هُوَ عَالَمُ الْحَقِيقَةِ وَالْجِدِّ وَالْجَهْدِ وَالِاجْتِهَادِ . وَعَالَمُنَا هَذَا عَالَمٌ مُمَهِّدٌ لِذَلِكَ الْعَالَمِ . وَهَذَا أَحَدُ تَأْوِيلَاتِ كَثِيرٍ مِنْ بَيَانَاتِ الْوَحْيِ الْمَعْرِفِيَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الْمَقَامِ ، مِنْهَا : 1 ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ) : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ (1). فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْجِبَالِ فِي هَذَا الْبَيَانِ الْإِلٰهِيِّ لَيْسَتِ الْمَادِّيَّةَ حَسْبُ ، بَلْ وَجِبَالَ الْأَنَا وَالْفِرْعَوْنِيَّةِ ؛ وَيَنْكَشِفُ لِلْمَخْلُوقِ فِي عَالَمِ الْقِيَامَةِ : أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ فِي عَالَمِ الدُّنْيَا مِنْ مُحَاسَبَاتِ زَيْفٍ وَوَهْمٍ وَخَيَالٍ . 2 ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (عَظُمَتْ آلَاؤُهُ) : ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (2). فَإِنَّهُ فِي عَالَمِ الْقِيَامَةِ تُرْفَعُ الْحُجُبُ ، وَتُكْشَفُ الْأَغْطِيَةُ وَيَتَبَيَّنُ : أَنَّ قِوَامَ كُلِّ شَيْءٍ وَتَمَامَ حَقِيقَتِهِ قَائِمٌ بِاللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ). إِذَنْ : مَعْرِفَةُ عَالَمِ الْقِيَامَةِ وَأَبْوَابِهِ وَفُصُولِهِ وَشُجُونِهِ مَشْهَدٌ نُورِيٌّ . وَمِنْهُ تَتَّضِحُ : فَلْسَفَةُ بَيَانَاتِ الْوَحْيِ الْمَعْرِفِيَّةِ الْحَاثَّةِ عَلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى الْمَعَارِفِ الْإِلٰهِيَّةِ ، وَمَعْرِفَةِ الدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ ، وَمَعْرِفَةِ أَحْوَالِ وَشُؤُونِ الْعَوَالِمِ لَا سِيَّمَا عَالَمِ الْقِيَامَةِ وَعَالَمِ الْآخِرَةِ الْأَبَدِيَّةِ ؛ وَذَلِكَ لِأَجْلِ أَنْ تَسْتَنِيرَ ذَاتُ الْمُطَّلِعِ ، بَلْ وَالْإِنْسَانِيَّةُ وَجُمْلَةُ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَكَافَّةُ عَوَالِمِ الْوُجُودِ ، وَيُنْشَرَ رَبِيعُ السَّلَامِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْوِئَامِ فِيهَا ؛ لِيَصِلَ الْمَخْلُوقُ إِلَى الْفَرْدِ الْكَامِلِ ، وَالْعَوَالِمُ إِلَى الْعَوَالِمِ الْفَاضِلَةِ . وَبِالْجُمْلَةِ : لَا يُمْكِنُ لِمَنْ يَنْشُدُ السَّلَامَ وَالْأَمْنَ وَالْعَدْلَ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ مَعْرِفَةَ عَالَمِ الْقِيَامَةِ وَالْمَعَادِ أَسَاسَهُ ؛ لِأَنَّهُ بِهَذِهِ الْمَعْرِفَةِ تَنْمَحِي الْأَوْهَامُ الْمُوجِبَةُ لِلظُّلْمِ وَالْعَدَاوَاتِ وَالْحُرُوبِ ، وَحِينَهَا يَعُمُّ السَّلَامُ وَرَغَدُ الْعَيْشِ . وَإِلَى هَذَا تُشِيرُ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ ، مِنْهَا : بَيَانُ قَوْلِهِ (عَلَا ذِكْرُهُ) : ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ (3). وَهَذِهِ الْمَعَارِفُ لَيْسَتْ تَنْظِيرَاتٍ وَشِعَارَاتٍ تَجْرِيدِيَّةً فِكْرِيَّةً ، وَسَحَائِبَ طَوْقِيَّةً فَضْفَاضَةً ، بَلْ دَخِيلَةٌ فِي صَمِيمِ كَمَالِ الْمَخْلُوقِ وَكَمَالِ عَوَالِمِ الْخِلْقَةِ وَسَعَادَتِهَا ، وَلَهَا مَسِيسٌ فِي فَلْسَفَةِ الْحُقُوقِ وَالْقَوَانِينِ ، وَفَلْسَفَةِ السِّيَاسَةِ . وَعُصَارَةُ الْقَوْلِ : أَنَّ لِمَعْرِفَةِ عَالَمِ الْقِيَامَةِ دَخَالَةً فِي الصُّلْحِ وَالرَّبِيعِ السِّيَاسِيِّ وَالْإِقْتِصَادِيِّ وَالْحَضَارِيِّ ، وَهَلُمَّ جَرًّا ، بَلْ وَرَبِيعِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَهَذَا مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ أَحَدُ تَفَاسِيرِ بَيَانِ قَوْلِهِ (تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ) : ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ (4). وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الْأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) طٰه : 105 ـ 108. (2) غَافِر : 16. (3) الْجِنّ : 16. (4) الزُّمَر : 69