/الْفَائِدَةُ : ( 2/269) /

02/04/2026



بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. [تَأْصِيلُ الْمَنْهَجِ الطُّولِيِّ فِي الِاسْتِنْبَاطِ] [التَّرَاتُبِيَّةُ الطُّولِيَّةُ لِحُجِّيَّةِ الْخَبَرِ فِي الِاسْتِنْبَاطِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ] يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ : أَنَّ (حُجِّيَّةَ الخَبَرِ) عِنْدَ جُلِّ الفُقَهَاءِ وَأَسَاطِينِ المَعْرِفَةِ تَنْبَنِي عَلَىٰ نَسَقٍ (طُولِيٍّ) مَحْضٍ فِي مَقَامِ الِاسْتِنْبَاطِ، حَيْثُ تَتَفَاوَتُ رُتَبُ الحُجَجِ وَفْقَ التَّرْتِيبِ التَّصَاعُدِيِّ التَّالِي : أَوَّلاً : حُجِّيَّةُ المَتْنِ وَالمَضْمُونِ . ثَانِيّاً : صِحَّةُ وَاعْتِبَارُ الكِتَابِ المَصْدَرِيِّ . ثَالِثاً : حُجِّيَّةُ الطَّرِيقِ وَالسَّنَدِ . [ آلِيَّةُ التَّرَاتُبِيَّةِ وَمَسَالِكُ الِاعْتِبَارِ] إِنَّ هٰذِهِ الحُجَجَ تَنْتَظِمُ فِي سِلْسِلَةٍ طُولِيَّةٍ ؛ فَإِذَا انْقَدَحَ فِي نَفْسِ الفَقِيهِ المُتَضَلِّعِ القَطْعُ وَالْيَقِينُ بِمُطَابَقَةِ مَتْنِ الخَبَرِ وَمَضْمُونِهِ لِمُحْكَمَاتِ الدِّينِ وَكُلِّيَّاتِ الشَّرِيعَةِ ، وَجَبَ الأَخْذُ بِهِ وَإِنْ أَعْوَزَهُ السَّنَدُ الصَّحِيحُ ؛ إِذْ إِنَّ اليَقِينَ بِالمُطَابَقَةِ يَمْنَحُ المَتْنَ (حُجِّيَّةً وَحْيَانِيَّةً ذَاتِيَّةً) تَعْلُو فِي رُتْبَتِهَا وَتَتَقَدَّمُ رُتْبَةً عَلَىٰ كَافَّةِ الْحُجَجِ وَالِاعْتِبَارَاتِ . أَمَّا إِذَا لَمْ يَنْقَدِحْ ذٰلِكَ اليَقِينُ فِي نَفْسِ الفَقِيهِ ، انْتَقَلَ البَحْثُ إِلَى (المَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ) : وَهِيَ فَحْصُ حُجِّيَّةِ الكِتَابِ المَصْدَرِيِّ الَّذِي حَوَى الخَبَرَ ؛ فَإِنْ كَانَ الكِتَابُ مِمَّا ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ جُمْلَةً ـ كَكِتَابِ (الكِافِي) مَثَلاً ـ كَفَىٰ ذٰلِكَ مَسَوِّغاً لِلِاعْتِمَادِ وَالفُتْيَا . فَإِنْ تَعَذَّرَ ذٰلِكَ ، نَزَلَ إِلَى (المَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ) : وَهِيَ التَّعَبُّدُ بِحُجِّيَّةِ السَّنَدِ ؛ فَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ مُعْتَبَراً أَخَذَ بِهِ فِي مَسَائِلِ الفُرُوعِ وَتَفَاصِيلِ الاعْتِقَادِ ، وَإِلَّا سَقَطَ الخَبَرُ عَنِ الِاعْتِبَارِ وَوَجَبَ الإِعْرَاضُ عَنْهُ ـ هَٰذَا مَا لَمْ تَقُمْ حُجَّةٌ طُولِيَّةٌ أُخْرَىٰ يَتَبَنَّاهَا الْفَقِيهُ كَـ (شُهْرَةِ الْعَمَلِ عِنْدَ الطَّائِفَةِ) ـ . نَعَمْ ، يَبْقَىٰ مَجَالُ الِاسْتِئْنَاسِ بِهِ عَلَىٰ نَحْوِ (المُؤَيِّدِ) أَوْ المُنَبِّهِ لِبُرْهَانٍ فِي دَلِيلٍ آخَرَ. [نَقْدُ الْمَنْهَجِ الْمُعَاصِرِ وَمَآلَاتِهِ ] وَمِنَ المُنْكَرِ أَنَّ المَسْلَكَ المُعَاصِرَ قَدْ نَكَسَ هٰذَا التَّرْتِيبَ ، بَلْ صَيَّرَ هٰذِهِ الحُجَجَ فِي (عَرْضٍ وَاحِدٍ) ، بَلْ حَصَرُوا مَنَاهِجَ الِاسْتِنْبَاطِ فِي مَضِيقِ (حُجِّيَّةِ السَّنَدِ) وَحْدَهَا . وَغَرَابَةُ حَصْرِ مَسَالِكِ المَعْرِفَةِ فِي الظَّنِّ التَّعَبُّدِيِّ أَوْ التَّوَاتُرِ الحِسِّيِّ جَلِيَّةٌ لَا تَخْفَىٰ ؛ فَإِنَّ (الظَّنَّ النَّقْلِيَّ) ، بَلْ وَالتَّوَاتُرَ الحِسِّيَّ لَا يَتَجَاوَزَانِ دَائِرَةَ الإِفَادَةِ الحِسِّيَّةِ ، وَلَا يَرْتَقِيَانِ بِحَالٍ إِلَىٰ أُفُقِ (اليَقِينِ العَقْلِيِّ) ، فَضْلًا عَمَّا فَوْقَهُ مِنَ (اليَقِينِ الوَحْيَانِيِّ) الشَّامِخِ . [ضَرُورَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ النَّقْلِ وَالْغَوْرِ فِي الْمَعْنَىٰ ] نَعَمْ ؛ لَا غِنَىٰ عَنِ (العِلْمِ النَّقْلِيِّ) ، وَلَا سَبِيلَ إِلَىٰ إِنْكَارِ ضَرُورَتِهِ ؛ بِاعْتِبَارِهِ مُقَدِّمَةً تَمْهِيدِيَّةً لِلْيَقِينِ العَقْلِيِّ وَالوَحْيَانِيِّ المَشْبُوبِ بِسَعَةِ أُفُقِ الوَحْيِ ؛ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ لَا بُدَّ مِنَ الِابْتِدَاءِ بِالمنْقُولِ لِتَحْصِيلِ المَعْقُولِ وَالمَشْهُودِ . لٰكِنَّ : هٰذَا المَسْلَكَ النَّقْلِيَّ ـ وَهُوَ مَنْهَجُ المُبْتَدِئِينَ ـ لَا يُقْتَصَرُ عَلَيْهِ ، بَلْ لَا مَحِيصَ لِلْعَالِمِ الرَّاسِخِ مِنَ الغَوْرِ فِي لُجَجِ وَأَعْمَاقِ بِحَارِ المَعَانِي ، وَاسْتِجْلَاءِ حَقَائِقِ الوَحْيِ غَيْرِ المَتَنَاهِيَةِ ؛ وَذٰلِكَ عَبْرَ الِاسْتِغْرَاقِ فِي (التَّدَبُّرِ الفَهِيمِ) وَ (التَّأَمُّلِ العَقْلِيِّ الرَّصِينِ) فِي مُتُونِ بَيَانَاتِ الوَحْيِ وَجَوَاهِرِ مَضَامِينِهَا. [إِشْكَالٌ وَجَوَابٌ ] وَمِنْهُ يَنْجَلِي : انْحِلَالُ مَا أَوْرَدَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الشَّيْخِ الْأَنْصَارِيِّ (قُدِّسَ سِرُّهُ) وَغَيْرِهِ مِنْ أَعْلَامِ التَّحْقِيقِ ؛ حَيْثُ نَسَبُوا إِلَيْهِمُ التَّهَافُتَ بَيْنَ التَّنْظِيرِ الْأُصُولِيِّ وَالْإِعْمَالِ الْفِقْهِيِّ ، بِزَعْمِ أَنَّ الشَّيْخَ يُقَرِّرُ فِي الْأُصُولِ لُزُومَ الِاعْتِبَارِ الشَّرْعِيِّ فِي السَّنَدِ لِيَصِحَّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، بَيْنَمَا يَنْحَرِفُ عَنْ هَذَا الْمَبْنَى فِي الْفِقْهِ بِتَرْتِيبِ الْأَثَرِ عَلَى خَبَرٍ ضَعِيفٍ سَنَدًا ، فَمَا الَّذِي اسْتَجَدَّ حَتَّى صَارَ عَمَّا حَرَّرَهُ مُرْتَدًّا ؟ وَالْجَوَابُ : أَنَّ الشَّيْخَ الْأَنْصَارِيَّ ـ وَإِنْ ذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ بِاعْتِبَارِ السَّنَدِ كَبَحْثٍ كُبْرَوِيٍّ ـ إِلَّا أَنَّ مَسْلَكَهُ التَّطْبِيقِيَّ يَتَّسِقُ مَعَ مَبْنَى أُسْتَاذِهِ صَاحِبِ الْجَوَاهِرِ وَمَشْهُورِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي تَرْتِيبِ (الْحُجَجِ الطُّولِيَّةِ) ؛ فَإِنَّ الْفَقِيهَ فِي مَقَامِ الِاسْتِنْبَاطِ يَعْمِدُ أَوَّلًا إِلَى عَرْضِ مَتْنِ الْخَبَرِ وَمَضْمُونِهِ عَلَى (مُحْكَمَاتِ الكِتَابِ الكَرِيمِ) ، وَ(مُحْكَمَاتِ السُّنَّةِ القَطْعِيَّةِ) ، وَ(بَدِيهِيَّاتِ العَقْلِ) ، وَ(مُسَلَّمَاتِ الوِجْدَانِ) الَّتِي لَا يَمْتَرِي فِيهَا بَشَرٌ ، فَإِذَا أَوْرَثَهُ هَذَا الْعَرْضُ قَطْعًا وَيَقِيناً بِمُطَابَقَةِ المَتْنِ وَالْمَضْمُونِ لِلْأُصُولِ الْوَحْيَانِيَّةِ ، انْعَقَدَتْ لِلْخَبَرِ (حُجِّيَّةٌ ذَاتِيَّةٌ) ـ عَقْلِيَّةً كَانَتْ أَمْ وَحْيَانِيَّةً ـ ، فَيَجِبُ تَرْتِيبُ الْآثَارِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْمَعْرِفِيَّةِ عَلَيْهِ وَإِنْ قَصُرَتْ بِهِ مَرْتَبَةُ السَّنَدِ ؛ إِذِ الِاعْتِبَارُ السَّنَدِيُّ مَرْتَبَةٌ طُولِيَّةٌ مُتَأَخِّرَةٌ لَمْ تَدْعُ إِلَيْهَا الْحَاجَةُ بِحَسَبِ الْفَرْضِ . نَعَمْ ، إِذَا لَمْ يَنْكَشِفْ لَهُ الْمَضْمُونُ انْكِشَافًا يَقِينِيًّا ، انْتَقَلَ إِلَى الْمَرْتَبَةِ التَّالِيَةِ ، وَهِيَ (الِاعْتِبَارُ الْمَصْدَرِيُّ) بِصِحَّةِ الْكِتَابِ وَاعْتِبَارِهِ عِنْدَ الْإِمَامِيَّةِ ـ كَالْكَافِي مَثَلًا ـ ، فَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ ، آلَ الْأَمْرُ إِلَى الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ وَهِيَ (الْحُجِّيَّةُ السَّنَدِيَّةُ) ، فَإِنْ كَانَ الْخَبَرُ مُعْتَبَراً ـ بِمُوجِبِ مَبَانِيهِ الرِّجَالِيَّةِ ـ أَخَذَ بِهِ ، وَإِلَّا فَلَا . هَذَا مَا لَمْ يَنْفَتِحْ أَمَامَهُ بَابُ حُجَجٍ أُخْرَى سِوَى هَذِهِ الثَّلَاثِ ؛ كَـ (جَابِرِيَّةِ عَمَلِ الطَّائِفَةِ) ، فَإِذَا مَا انْتَهَى مَبْنَاهُ إِلَى اعْتِبَارِهَا ، عَوَّلَ عَلَيْهَا مُلْتَجِئاً ، وَأَمْكَنَهُ حِينَئِذٍ تَصْحِيحُ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْخَبَرِ بِقَرِينَةِ مُوَافَقَتِهَا ، جَبْراً لِمَا قَدْ يَعْتَرِي السَّنَدَ مِنْ وَهْنٍ . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ