/ الفَائِدَةُ : (102 / 369) /

11/06/2026



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [عِبَرٌ بَالِغَةٌ تَسْتَفِيدُهَا البَشَرِيَّةُ مِنْ مَدْرَسَةِ عَالَمِ التَّكْوِينِ] مِمَّا تَقَدَّمَ يَتَّضِحُ : أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النُّظُمِ القَانُونِيَّةِ مُسْتَوْحَاةٌ مِنْ قِرَاءَةِ عُلَمَاءِ القَانُونِ لِسُلُوكِ المُجْتَمَعِ الحَيَوَانِيِّ فِي الغَابِ ، كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ تَعَقُّلِ الدُّوَلِ العُظْمَى فِي تَدْبِيرِ عَلَاقَاتِهَا وَتَفْكِيكِ أَزَمَاتِهَا ـ بِعِيدًا عَنْ خِيَارِ الِاحْتِرَابِ وَالتَّصْفِيَاتِ ـ قَدْ هُدِيَتْ إِلَيْهِ مِنْ نَوَامِيسِ الغَابَةِ ؛ إِذْ أَلْفَوْا فِي تَعَامُلِ كَوَاسِرِ الحَيَوَانَاتِ وَتَنَازُعِهَا عَلَى مَنَاطِقِ النُّفُوذِ : أُصُولًا مَرْعِيَّةً ، وَمَوَازِنَاتِ قُوَى دَقِيقَةً ، بِحَيْثُ لَا يُصَارُ إِلَى المَوَاجَهَةِ السَّاخِنَةِ إِلَّا عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ آخِرَ الدَّوَاءِ الكَيُّ . وَكَذَلِكَ أَلْفَى عُلَمَاءُ الإِدَارَةِ ـ مِنْ خِلَالِ رَصْدِهِمْ لِمَمَالِكِ النَّمْلِ الَّتِي يَرْبُو تِعْدَادُهَا عَلَى أَضْعَافِ سُكَّانِ وِلَايَةِ (فْلُورِيدَا) ـ أَنَّهَا إِذَا أَزْمَعَتِ الِانْتِقَالَ وَتَغْيِيرَ مَوْطِنِهَا ، هَيَّأَتْ لِذَلِكَ كُلَّ مَايَضْمَنُ سَلَامَةَ الظَّعْنِ وَيُنَظِّمُهُ ؛ مِنْ مَخَازِنَ لِلأَقْوَاتِ ، وَمُدَبِّرِينَ ، وَحَامِيَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ ، وَأَجْهِزَةٍ لِتَوْجِيهِ المَسِيرِ وَتَنْظِيمِ الحَرَكَةِ ؛ فَمَا كَانَ مِنْ أُولَئِكَ العُلَمَاءِ إِلَّا أَنِ اسْتَلْهَمُوا مِنْهَا عِبَرًا بَالِغَةً ، وَنُظُمًا فِي عِلْمِ الإِدَارَةِ لَمْ تَعْهَدْهَا البَشَرِيَّةُ مِنْ قَبْلُ . وَثَمَّتَ مَشَاهِدُ وَدَلَائِلُ شَتَّى فِي عَالَمِ الخِلْقَةِ ، اسْتَوْحَى مِنْهَا أَهْلُ الِاخْتِصَاصِ رُؤًى وَمَفَاهِيمَ مُسْتَحْدَثَةً لِقِيَمِ المُسَاوَاةِ ، وَالعَدَالَةِ ، وَالحُرِّيَّةِ . وَهَٰذَا مَا تُشِيرُ إِلَيْهِ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ الْمَعْرِفِيَّةِ ، مِنْهَا : ١ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (عَزَّ وَجْهُهُ) : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (1). ٢ـ بَيَانُ الْإِمَامِ الصَّادِقِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الْخَبَرِ الْمُشْتَهِرِ بِتَوْحِيدِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ: « ... يَا مُفَضَّلُ ، إِنَّ الشُّكَّاكَ جَهِلُوا الْأَسْبَابَ وَالْمَعَانِيَ فِي الْخِلْقَةِ ، وَقَصُرَتْ أَفْهَامُهُمْ عَنْ تَأَمُّلِ الصَّوَابِ وَالْحِكْمَةِ فِيمَا ذَرَأَ الْبَارِي (جَلَّ قُدْسُهُ) وَبَرَأَ مِنْ صُنُوفِ خَلْقِهِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَالسَّهْلِ وَالْوَعْرِ ... فَإِنَّهُمْ لَمَّا غَرُبَتْ أَذْهَانُهُمْ عَنْ مَعْرِفَةِ الْأَسْبَابِ وَالْعِلَلِ فِي الْأَشْيَاءِ صَارُوا يَجُولُونَ فِي هَٰذَا الْعَالَمِ حَيَارَىٰ ، وَلَا يَفْهَمُونَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ إِتْقَانِ خِلْقَتِهِ وَحُسْنِ صَنْعَتِهِ وَصَوَابِ تَهْيِئَتِهِ ، وَرُبَّمَا وَقَفَ بَعْضُهُمْ عَلَى الشَّيْءِ ؛ لِجَهْلِ سَبَبِهِ وَالْإِرْبِ فِيهِ فَيُسْرِعُ إِلَىٰ ذَمِّهِ وَوَصْفِهِ بِالْإِحَالَةِ وَالْخَطَأِ ... . يَا مُفَضَّلُ ، أَوَّلُ الْعِبَرِ وَالْأَدِلَّةِ عَلَى الْبَارِي (جَلَّ قُدْسُهُ) تَهْيِئَةُ هَٰذَا الْعَالَمِ ، وَتَأْلِيفُ أَجْزَائِهِ وَنَظْمُهَا عَلَىٰ مَا هِيَ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ الْعَالَمَ بِفِكْرِكَ ، وَمَيَّزْتَهُ بِعَقْلِكَ وَجَدْتَهُ كَالْبَيْتِ الْمَبْنِيِّ الْمُعَدِّ فِيهِ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ عِبَادُهُ ... وَالْإِنْسَانُ كَالْمُمَلَّكِ ذَٰلِكَ الْبَيْتَ ، وَالْمُخَوَّلِ جَمِيعَ مَا فِيهِ ... . فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ ، فِي خِلْقَةٍ عَجِيبَةٍ جُعِلَتْ فِي الْبَهَائِمِ ؛ فَإِنَّهُمْ يُوَارُونَ أَنْفُسَهُمْ إِذَا مَاتُوا كَمَا يُوَارِي النَّاسُ مَوْتَاهُمْ ، وَإِلَّا فَأَيْنَ جِيَفُ هَٰذِهِ الْوُحُوشِ وَالسِّبَاعِ وَغَيْرِهَا لَا يُرَىٰ مِنْهَا شَيْءٌ؟ وَلَيْسَتْ قَلِيلَةً فَتَخْتَفِيَ لِقِلَّتِهَا ، بَلْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّهَا أَكْثَرُ مِنَ النَّاسِ لَصَدَقَ ... وَكُلُّهَا لَا يُرَىٰ مِنْهَا شَيْءٌ إِذَا مَاتَتْ إِلَّا الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ ؛ يَصِيدُهُ قَانِصٌ ، أَوْ يَفْتَرِسُهُ سَبُعٌ ، فَإِذَا أَحَسُّوا بِالْمَوْتِ كَمَنُوا فِي مَوَاضِعَ خَفِيَّةٍ فَيَمُوتُونَ فِيهَا ، وَلَوْلَا ذَٰلِكَ لَامْتَلَأَتِ الصَّحَارِي مِنْهَا حَتَّىٰ تُفْسِدَ رَائِحَةُ الْهَوَاءِ ، وَيَحْدُثَ الْأَمْرَاضُ وَالْوَبَاءُ . فَانْظُرْ إِلَىٰ هَٰذَا الَّذِي يَخْلُصُ إِلَيْهِ النَّاسُ ، وَعَمِلُوهُ بِالتَّمْثِيلِ الْأَوَّلِ الَّذِي مُثِّلَ لَهُمْ كَيْفَ جُعِلَ طَبْعاً وَادِّكَاراً فِي الْبَهَائِمِ وَغَيْرِهَا ؛ لِيَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ مَعَرَّةِ مَا يَحْدُثُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْفَسَادِ. فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ ، فِي الْفِطَنِ الَّتِي جُعِلَتْ فِي الْبَهَائِمِ لِمَصْلَحَتِهَا بِالطَّبْعِ وَالْخِلْقَةِ لُطْفاً مِنَ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) لَهُمْ ؛ لِئَلَّا يَخْلُوَ مِنْ نِعَمِهِ (جَلَّ وَعَزَّ) أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ لَا بِعَقْلٍ وَرَوِيَّةٍ ... وَلَيْسَ فِي الْخِلْقَةِ شَيْءٌ لَا مَعْنَىٰ لَهُ ... . فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ سَعَةَ حِكْمَةِ الْخَالِقِ وَقِصَرَ عِلْمِ الْمَخْلُوقِينَ فَانْظُرْ إِلَىٰ مَا فِي الْبِحَارِ مِنْ ضُرُوبِ السَّمَكِ ، وَدَوَابِّ الْمَاءِ وَالْأَصْدَافِ ، وَالْأَصْنَافِ الَّتِي لَا تُحْصَىٰ وَلَا تُعْرَفُ مَنَافِعُهَا إِلَّا الشَّيْءُ بَعْدَ الشَّيْءِ يُدْرِكُهُ النَّاسُ بِأَسْبَابٍ تَحْدُثُ ؛ مِثْلِ الْقِرْمِزِ ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا عَرَفَ النَّاسُ صِبْغَتَهُ بِأَنَّ كَلْبَةً تَجُولُ عَلَىٰ شَاطِئِ الْبَحْرِ ، فَوَجَدَتْ شَيْئاً مِنَ الصِّنْفِ الَّذِي يُسَمَّى الْحَلَزُونَ ، فَأَكَلَتْهُ ، فَاخْتَضَبَ خَطْمُهَا بِدَمِهِ ، فَنَظَرَ النَّاسُ إِلَىٰ حُسْنِهِ فَاتَّخَذُوهُ صِبْغاً ، وَأَشْبَاهِ هَٰذَا مِمَّا يَقِفُ النَّاسُ عَلَيْهِ حَالاً بَعْدَ حَالٍ ، وَزَمَاناً بَعْدَ زَمَانٍ ... وَهَلْ يَخْفَىٰ عَلَىٰ ذِي لُبٍّ أَنَّ هَٰذَا تَقْدِيرُ مُقَدِّرٍ ، وَصَوَابٌ وَحِكْمَةٌ مِنْ مُقَدِّرٍ حَكِيمٍ ؟ ... » (2). وَدَلَالَتُهُ ـ كَسَبِيلِ مَا تَقَدَّمَهُ ـ وَاضِحَةٌ لَا خَفَاءَ فِيهَا . وَبِنَاءً عَلَيْهِ : فَلَيْسَ مِنَ السَّدَادِ أَنْ يَقَعَ المَخْلُوقُ ـ وَلَوْ كَانَ مَفْهُومًا ذِهْنِيًّا عَبَرِيًّا ـ خِلْوًا مِنَ التَّقْدِيرِ وَالتَّحْدِيدِ ؛ وَمِنْ ثَمَّ وَجَبَ أَنْ يُجْعَلَ لِكُلِّ مَنْظُومَةٍ وَمَفْهُومٍ قَدْرٌ مَعْلُومٌ وَحَدٌّ مَرْسُومٌ ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ : الرَّأْسُمَالِيَّةُ ، وَالصَّرْفُ ، وَالِاسْتِهْلَاكُ ، أَوِ المَفَاهِيمُ الِاقْتِصَادِيَّةُ ، وَالزِّرَاعِيَّةُ ، وَالتِّجَارِيَّةُ ، وَالغَرِيزِيَّةُ ، وَهَلُمَّ جَرّاً ؛ فَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الضَّابِطِ إِلَّا الحَقِيقَةُ الأَزَلِيَّةُ ؛ العَزِيزُ الجَبَّارُ (جَلَّ جَلَالُهُ) « الَّذِي لَيْسَتْ لَهُ فِي أَوَّلِيَّتِهِ نِهَايَةٌ، وَلَا فِي آخِرِيَّتِهِ حَدٌّ وَلَا غَايَةٌ »(3). وَبِالجُمْلَةِ : فَإِنَّ الخِلْقَةَ الإِلَهِيَّةَ وَعَالَمَ التَّكْوِينِ كِتَابٌ مَنْظُورٌ يَفِيضُ بِالعِبَرِ وَالدَّلَالَاتِ لِشَتَّى المَنْظُومَاتِ المَعْرِفِيَّةِ ؛ وَفِي طَلِيعَتِهَا النُّظُمُ القَانُونِيَّةُ وَالإِدَارِيَّةُ . وَمِنْ ثَمَّ ، لَا يَصِحُّ اخْتِزَالُ عَالَمِ الْخِلْقَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي مَحْضِ بِنْيَةٍ لُغَوِيَّةٍ تَتَدَاوَلُهَا أَدَبِيَّاتُ الْخِطَابِ الدِّينِيِّ فَحَسْبُ ، بَلْ هُوَ مَوْرِدٌ هَادٍ يَسْتَوْعِبُ كُلَّ مَا يُصْلِحُ شُؤُونَ البَشَرِيَّةِ وَيُنَظِّمُ حَيَاتَهَا وَمَعَاشَهَا ؛ سَوَاءٌ أُطِّرَ ذَلِكَ فِي الرُّؤْيَةِ الأَيْدِيُولُوجِيَّةِ ، أَوِ الفَلْسَفِيَّةِ ، أَوِ الحُقُوقِيَّةِ ، أَوِ السِّيَاسِيَّةِ ، أَوِ الِاقْتِصَادِيَّةِ ، وَمَا شَاكَلَهَا . فَالْبَارِي (تَبَارَكَ اسْمُهُ) يَبُثُّ عَبْرَ عَالَمِ التَّكْوِينِ هِدَايَاتٍ لَا تَتَنَاهَى ، تَنْتَظِمُ العُلُومَ كَافَّةً لِتَدُلَّ عَلَى مَعَالِمِ الرَّشَادِ ؛ بَدْءًا مِنْ أَدَقِّ التَّفَاصِيلِ الحَيَاتِيَّةِ ، وَانْتِهَاءً بِأَعْظَمِ المَحَاوِرِ العَقَائِدِيَّةِ . إِذَنْ : فَمَجَّالَاتُ العُلُومِ وَالمَعَارِفِ كَافَّةً مَطْوِيَّةٌ فِي سِجِلِّ الخِلْقَةِ وَعَالَمِ التَّكْوِينِ . وَبِنَاءً عَلَيْهِ : فَلَا يُلْفَى ابْتِكَارٌ بَشَرِيٌّ البَتَّةَ إِلَّا وَهُوَ مُسْتَنْبَطٌ وَمُسْتَخْرَجٌ مِنْ ظَاهِرَةٍ تَكْوِينِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ ؛ فَالْمَرْكَبَاتُ الفَضَائِيَّةُ ـ مَثَلًا ـ وَالطَّائِرَاتُ ، وَالسُّفُنُ ، وَالغَوَّاصَاتُ ، وَالصَّوَارِيخُ ، وَالأَقْمَارُ الِاصْطِنَاعِيَّةُ ، وَسَائِرُ المُخْتَرَعَاتِ التِّقْنِيَّةِ وَالعَسْكَرِيَّةِ ، لَمْ يَكُنْ كَشْفُهَا وَتَصْنِيعُهَا إِلَّا نِتَاجَ اسْتِلْهَامٍ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَعْتَرِيهِ نَفَادٌ وَلَا انْقِطَاعٌ ، المَبْسُوطِ بِقُدْرَةِ الحَقِّ (جَلَّ وَعَلَا) فِي مَلَكُوتِ الخَلْقِ وَالإِيجَادِ . وَلَكَ أَنْ تَقُولَ : إِنَّ ثَمَّتَ مَقْصَدًا تَوْحِيدِيًّا جَلِيلًا ، يَبُثُّهُ البَارِي (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) عَبْرَ نَوَامِيسِ خِلْقَتِهِ ؛ وَفَحْوَاهُ: أَنَّ كُلَّ ظَاهِرَةٍ تَكْوِينِيَّةٍ جَلَّتْهَا القُدْرَةُ الإِلَهِيَّةُ، تُمَثِّلُ رِسَالَةً بَالِغَةً وَخِطَاباً مَعْرِفِيّاً مُوَجَّهاً مِنْهُ تَعَالَى إِلَى خَلْقِهِ، فَالْوُجُودُ كُلُّهُ "تَكَلُّمٌ بِالْإِيجَادِ مُوَجَّهٌ إِلَى العِبَادِ"، لَهُ مَغْزًى مَقَاصِدِيٌّ عَمِيقٌ، يَتَجَاوَزُ ظَاهِرَهُ الحِسِّيَّ إِلَى بَاطِنِهِ التَّأْوِيلِيِّ. وَمِصْدَاقُ ذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾(4)؛ إِذْ جَاءَ هَذَا الإِيجَادُ خِطَاباً تَنْفِيذِيّاً وَتَكَلُّماً فِعْلِيّاً لِلْعَالَمِينَ، غَايَتُهُ البُرْهَانِيَّةُ إِثْبَاتُ "أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"؛ فَكَمَا اخْتَرَعَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ غَيْرِ أَبَوَيْنِ، أَنْشَأَ المَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ . وَقَوْلُهُ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) : ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾(5) فِيهِ بُرْهَانٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ دَلَالَةٍ وَجَوَابٍ لِمَسْأَلَةٍ يَبْتَغِيهَا السَّالِكُ مَوْجُودَةٌ فِي طَيَّاتِ عَالَمِ التَّكْوِينِ ؛ إِذْ عَالَمُ التَّكْوِينِ ـ فِي حَقِيقَتِهِ ـ عَالَمُ خِطَابٍ وَنَجْوَى ، وَكَلَامٌ إِلَهِيٌّ مَشْهُودٌ . [شُمُولُ مَنَاطِ التَّأْوِيلِ لِلْخِطَابَاتِ التَّكْوِينِيَّةِ] ثُمَّ إِنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي الِالْتِفَاتُ إِلَيْهِ : أَنَّ أَهْلَ النَّظَرِ وَالمَعْرِفَةِ ، وَالفَلَاسِفَةَ ، وَالمُتَكَلِّمِينَ ، وَالعُرَفَاءَ ، وَالصُّوفِيَّةَ قَدِ اسْتَلْهَمُوا مِن مَنْهَجِ التَّأْوِيلِ عِنْدَ أَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) مَعَارِفَ جَمَّةً ؛ إِذْ إِنَّ فَضَاءَ التَّأْوِيلِ لَا يَنْحَصِرُ فِي حُدُودِ اللَّفْظِ وَالخِطَابِ القَوْلِيِّ ، بَلْ يَمْتَدُّ لِيَسْتَوْعِبَ الكَلَامَ التَّكْوِينِيَّ أَيْضًا ، بِوَصْفِهِ خِطَابًا صَادِرًا مِنَ البَارِي (جَلَّ ثَنَاؤُهُ) إِلَى سَائِرِ المَوْجُودَاتِ ، فَهُوَ (تَكَلُّمٌ بِالخَلْقِ مُوَجَّهٌ إِلَى الخَلْقِ) كَمَا سَلَفَ . وَفَحْوَاهُ : أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلْمُتَدَبِّرِ إِلَى بُلُوغِ المَعْنَى العَقْلِيِّ إِلَّا بِتَوَسُّطِ مَنْهَجِ التَّأْوِيلِ ، الَّذِي اسْتُمِدَّتْ جُمْلَةُ قَوَاعِدِهِ مِنْ نَوَامِيسِ عَالَمِ التَّكْوِينِ. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ : إِنَّ المَغْزَى العَقْلِيَّ لَا يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُهُ بِمُبَاشَرَةِ الظَّاهِرِ النَّصِّيِّ وَالوُقُوفِ عِنْدَ سَطْحِهِ ، بَلْ يَفْتَقِرُ إِلَى أَنْ يَقْطَعَ المُتَدَبِّرُ المَسَافَةَ الغَائِرَةَ مِنَ السَّطْحِ إِلَى العُمْقِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الْقَمَر : 49. (2) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 3 : 57 ـ 151. (3) تَوْحِيدُ الصَّدُوقِ ، ب 2 : التَّوْحِيدُ وَنَفْيُ التَّشْبِيهِ : 33/ح1. (4) النِّسَاء : 171. (5) يُوسُف : 7