/ الفَائِدَةُ : (114 / 381) /

12/06/2026



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [مَدَى السَّعَةِ الِاحْتِمَالِيَّةِ فِي قَالَبِ التَّعْرِيضِ بِخِلَافِ التَّصْرِيحِ: الرِّسَالَةُ الخَاتِمَةُ أُنْمُوذَجاً] [لَا تَنَاهِي مَعَانِي قَالَبِ التَّعْرِيضِ وَحَقَائِقِهِ بِخِلَافِ التَّصْرِيحِ] إِنَّ التَّصْرِيحَ بِالمَعْنَى يَجْعَلُهُ مَحْدُوداً مَحْصُوراً فِي إِطَارِ اللَّفْظِ المَنْطُوقِ ، بِخِلَافِ أُسْلُوبِ التَّعْرِيضِ ؛ فَإِنَّ قَالَبَهُ يَمْتَازُ بِالسَّعَةِ وَالِاحْتِوَاءِ عَلَى مَعَانٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ ، تَقَعُ كُلُّهَا فِي دَائِرَةِ مُرَادِ المُتَكَلِّمِ ، تَبَعاً لِمَنْظُومَةٍ دَلَالِيَّةٍ شَبَكِيَّةٍ مُتَعَدِّدَةِ الأَبْعَادِ ، مَحْفُوفَةٍ بِشَوَاهِدَ وَقَرَائِنَ عِلْمِيَّةٍ رَصِينَةٍ . وَلَمَّا كَانَتْ بَعْثَةُ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) هِيَ الخَاتِمَةَ المُهَيْمِنَةَ ، وَمَا سَبَقَهَا مِنْ رِسَالَاتِ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) تَمْهِيداً وَإِعْدَاداً لَهَا ؛ فَقَدْ نَاسَبَ أَنْ تَكُونَ عُلُومُهَا وَدَلَالَاتُ قَوَالِبِ تَعْرِيضِهَا غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ ؛ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي عَدَمِ تَنَاهِي عُلُومِ الوَحْيِ الخَاتِمِ وَمَعَارِفِهِ. وَهَذَا مَا تَنْطِقُ بِهِ شَوَاهِدُ الوَحْيِ المَعْرِفِيَّةِ ، وَتُؤَيِّدُهُ الدَّلَائِلُ القُرْآنِيَّةُ المَحْكَمَةُ ، مِنْهَا : ١ـ بَيَانُ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ : [قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا] (١). ٢ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) : [وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ] (٢). ٣ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ قُدْسُهُ) : [مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ] (٣). ٤ـ بَيَانُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) ، الْوَارِدِ فِي بَيَانِ فَضْلِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَعَدَمِ تَنَاهِي مَعَارِفِهِ : « ... ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ نُورًا لَا تُطْفَأُ مَصَابِيحُهُ ، وَسِرَاجًا لَا يَخْبُو تَوَقُّدُهُ ، وَبَحْرًا لَا يُدْرَكُ قَعْرُهُ ... وَفُرْقَانًا لَا يُخْمَدُ بُرْهَانُهُ ... فَهُوَ مَعْدِنُ الْإِيمَانِ وَبُحْبُوحَتُهُ ، وَيَنَابِيعُ الْعِلْمِ وَبُحُورُهُ ... وَبَحْرٌ لَا يَنْزِفُهُ الْمُسْتَنْزِفُونَ ، وَعُيُونٌ لَا يُنْضِبُهَا الْمَاتِحُونَ ، وَمَنَاهِلُ لَا يَغِيضُهَا الْوَارِدُونَ ... جَعَلَهُ اللَّهُ رِيًّا لِعَطَشِ الْعُلَمَاءِ ... وَدَوَاءً لَيْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ ...» (٤). ٥ـ بَيَانُ الْإِمَامِ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ ، قَالَ : « ... قُلْتُ : قَوْلُهُ : [لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا] ، قَالَ : قَدْ أَخْبَرَكَ : أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَيْسَ لَهُ آخِرٌ ، وَلَا غَايَةٌ ، وَلَا يَنْقَطِعُ أَبَدًا ...» (٥). وَدَلَالَةُ الْجَمِيعِ وَاضِحَةٌ. وَحَيْثُ إِنَّ التَّصْرِيحَ لَا يَقْوَى عَلَى حَمْلِ المَعَانِي اللَّامُتَنَاهِيَةِ ؛ نَظَراً لِتَنَاهِي الأَلْفَاظِ وَمَحْدُودِيَّتِهَا ، فَقَدِ اقْتَضَتِ الضَّرُورَةُ المَعْرِفِيَّةُ الِاعْتِمَادَ عَلَى قَوَالِبِ التَّعْرِيضِ. إِذَنْ : لَمَّا كَانَ مَا أُوحِيَ إِلَى سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) مِنْ عُلُومٍ وَحَقَائِقَ مِمَّا يَسَعُهُ قَالَبُ التَّصْرِيحِ ؛ بُعِثُوا بِهَذَا النَّحْوِ ، بِخِلَافِ مَا أُوحِيَ إِلَى سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ؛ فَإِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ بُحُوراً زَخَّارَةً مِنْ مَعَارِفَ وَحَقَائِقَ لَا تَتَنَاهَى ، ضَاقَتْ عَنْ حَمْلِهَا عِبَارَةُ التَّصْرِيحِ المَحْدُودَةِ ، فَانْطَبَقَ الأَمْرُ عَلَى قَالَبٍ كَالبَحْرِ المَتَلَاطِمِ المَوَّاجِ ، لَا يُدْرَكُ طَرَفُهُ ، وَلَا يُبْلَغُ قَعْرُهُ ، وَهُوَ : قَالَبُ التَّعْرِيضِ. وَإِلَى هَذَا تُشِيرُ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ الْمَعْرِفِيَّةُ ، مِنْهَا : بَيَانُ الْإِمَامِ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) : « إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَحْتَمِلُهُ إِلَّا صُدُورٌ مُشْرِقَةٌ ، وَقُلُوبٌ مُنِيرَةٌ ، وَأَفْئِدَةٌ سَلِيمَةٌ ، وَأَخْلَاقٌ حَسَنَةٌ ... وَإِنَّ عِنْدَنَا سِرًّا مِنَ اللَّهِ مَا كَلَّفَ اللَّهُ بِهِ أَحَدًا غَيْرَنَا ...» (٦). وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الْأَطْهَارِ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١) الْكَهْفُ : ١٠٩. (٢) لُقْمَانُ : ٢٧. (٣) النَّحْلُ : ٩٦. (٤) نَهْجُ الْبَلَاغَةِ ، ٢ : ١٧٧. (٥) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، ٤ : ١٥١/ ح ٢. (٦) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، ٢ : ٢٠٩-٢١٠/ ح ١٠٥