/ الفَائِدَةُ : (170/ 437) /

03/08/2026



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [المَاهِيَّةُ الاعْتِبَارِيَّةُ لِلْعَالَمِ الدَّنِيِّ فِي بَيَانَاتِ الوَحْيِ] [حَقِيقَةُ العَالَمِ الدَّنِيِّ فِي المَنْظُورِ الوَحْيَانِيِّ ] [حَقِيقَةُ عَالَمِ الدُّنْيَا] جَاءَ التَّعْبِيرُ عَنْ حَقِيقَةِ عَالَمِ الدُّنْيَا فِي النُّصُوصِ الوَحْيَانِيَّةِ بِـ ﴿دَارِ الْغُرُورِ﴾ ؛ وَمَرَدُّ ذَلِكَ إِلَى أَنَّ المَنَاهِجَ وَالقَوَانِينَ المُنَظِّمَةَ لِلْعَيْشِ المَادِّيِّ ؛ وَكَذَا الأَحْوَالَ وَالإِضَافَاتِ العَارِضَةَ عَلَى الذَّاتِ الإِنْسَانِيَّةِ فِيهِ ، إِنَّمَا هِيَ أُمُورٌ اعْتِبَارِيَّةٌ صِرْفَةٌ ؛ تَسْتَغْرِقُ الوُجُودَ الإِنْسَانِيَّ وَتَحْجُبُهُ عَنْ إِدْرَاكِ الحَقَائِقِ الأَصِيلَةِ . عَلَى أَنَّ هَذِهِ القَوَانِينَ وَالإِضَافَاتِ ، بَلْ وَالعَالَمَ المَبْنِيَّ عَلَيْهَا ، آئِلَةٌ إِلَى الزَّوَالِ وَلَيْسَتْ لَهَا الصَّلَابَةُ الوُجُودِيَّةُ وَالخُلُودُ المَكْفُولُ لِلْعَوَالِمِ المَلَكُوتِيَّةِ وَالمَعَارِفِ الحَقِيقِيَّةِ . وَيَتَجَلَّى هَذَا الْمَعْنَى الْمَعْرِفِيُّ فِي بَيَانَاتِ الْوَحْيِ الْمَعْرِفِيَّةِ ؛ مِنْهَا : 1- بَيَانُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) : « أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا دَارُ غَرَارَةٍ خَدَّاعَةٍ ، تَنْكِحُ فِي كُلِّ يَوْمٍ بَعْلًا ، وَتَقْتُلُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ أَهْلًا ، وَتُفَرِّقُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ شَمْلًا » (1). 2- بَيَانُهُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) أَيْضًا : « فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا ؛ لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا » (2). 3- بَيَانُهُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) أَيْضًا : « اتَّقُوا غُرُورَ الدُّنْيَا ؛ فَإِنَّهَا تَسْتَرْجِعُ أَبَدًا مَا خَدَعَتْ بِهِ مِنَ الْمَحَاسِنِ ، وَتُزْعِجُ الْمُطْمَئِنَّ إِلَيْهَا وَالْقَاطِنَ » (3). 4- بَيَانُهُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) أَيْضًا : « غَرَّارَةٌ غَرُورٌ مَا فِيهَا ، فَانِيَةٌ فَانٍ مَنْ عَلَيْهَا ، لَا خَيْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَزْوَادِهَا إِلَّا التَّقْوَى » (4). وَدَلَالَةُ هَذِهِ النُّصُوصِ الشَّرِيفَةِ جَلِيَّةٌ مَكْشُوفَةٌ ؛ إِذْ تُؤَكِّدُ أَنَّ الْمُعَامَلَاتِ وَالْقَوَانِينَ وَالنُّظُمَ الْحَاكِمَةَ فِي عَالَمِ الدُّنْيَا إِنَّمَا هِيَ أُمُورٌ اعْتِبَارِيَّةٌ صِرْفَةٌ ، ثُبُوتُهَا كَـ ﴿سَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ﴾ الْمَوْتُ ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ ؛ إِذْ تَزُولُ حِينَئِذٍ كَافَّةُ الْإِضَافَاتِ الْوَهْمِيَّةِ ، فَلَا مِلْكِيَّةَ حَقِيقِيَّةً ، وَلَا أَمْوَالَ ، وَلَا جَاهَ ، وَلَا بَنِينَ. نَعَمْ ؛ إِنَّ لِقَوَانِينِ عَالَمِ الدُّنْيَا وَأَحْكَامِهِ التَّكْوِينِيَّةِ هَيْمَنَةً وَقَهْرًا عَلَى الْمَخْلُوقِ ؛ فَالْحَرُّ وَالْقَرُّ يُؤْذِيَانِهِ ، وَالْجُوعُ وَالظَّمَأُ يَقِضَّانِ مَضْجَعَهُ ، وَعَلَى هَذَا الْمُنْوَالِ تَجْرِي مَظَاهِرُ الِاسْتِخْذَاءِ لِلْمَادَّةِ ؛ فَالْمَخْلُوقُ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مَحْجُوبٌ بِكَثَافَتِهَا ، مَحْبُوسٌ فِي إِطَارِهَا ، كَأَنَّهُ مَقْهُورٌ تَحْتَ سُلْطَانِهَا . وَمِنْ ثَمَّ ، فَإِنَّ عُرُوجَ الْمَخْلُوقِ وَتَوَجُّهَهُ نَحْوَ سَاحَةِ الْقُدْسِ الْإِلَهِيَّةِ ـ وَهُوَ فِي نَشْأَةِ الدُّنْيَا ـ يَفْتَقِرُ حَتْمًا إِلَى مَؤُونَةٍ وَوَسِيلَةٍ إِلَهِيَّةٍ. وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَوَالِمِ الصَّاعِدَةِ (كَاَلْعَالَمِ الْعَقْلِيِّ) ؛ فَإِنَّ الأَصْلَ وَالْمُقْتَضَى الأَوَّلِيَّ فِيهَا هُوَ : التَّوَجُّهُ وَالإِقْبَالُ عَلَى الْبَارِي (جَلَّ ثَنَاؤُهُ) ، بَيْنَمَا لَا يَكُونُ الإِدْبَارُ فِيهَا إِلا طَبِيعَةً ثَانَوِيَّةً طَارِئَةً. وَمِنْ ثَمَّ ؛ فَإِنَّ الخِطَابَ الأَوَّلِيَّ الصَّادِرَ مِنَ البَارِي (سُبْحَانَهُ) لِلْجَهْلِ(5) ـ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ المَرِوِيِّ عَنِ الإِمَامِ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فِي "جُنْدِ العَقْلِ وَالجَهْلِ" : « اعْرِفُوا العَقْلَ وَجُنْدَهُ ، وَالجَهْلَ وَجُنْدَهُ تَهْتَدُوا ... إِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) خَلَقَ الْعَقْلَ ، وَهُوَ أَوَّلُ خَلْقٍ مِنَ الرُّوحَانِيِّينَ ، عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ مِنْ نُورِهِ ، فَقَالَ لَهُ : أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ، فَقَالَ اللَّهُ (تَبَارَكَ وَتَعَالَى) : خَلَقْتُكَ خَلْقًا عَظِيمًا وَكَرَّمْتُكَ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِي ، قَالَ : ثُمَّ خَلَقَ الْجَهْلَ مِنَ الْبَحْرِ الْأُجَاجِ ظُلْمَانِيًّا فَقَالَ لَهُ : أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَقْبِلْ فَلَمْ يُقْبِلْ ؛ فَقَالَ لَهُ : أَسْتَكْبَرْتَ فَلَعَنَهُ ... »(6) ـ هُوَ : (أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ) ، وَالْخِطَابُ الثَّانَوِيُّ لَهُ : (أَقْبِلْ فَلَمْ يُقْبِلْ). وَهَذَا بِخِلَافِ الْخِطَابِ الْأَوَّلِيِّ لِلْعَقْلِ فَإِنَّهُ : (أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ) ، وَالْخِطَابُ الثَّانَوِيُّ لَهُ : (أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ). إِذَنْ : الْمُقْتَضَى الْأَوَّلِيُّ فِي عَالَمِ الدُّنْيَا وَمَوْطِنِ الْجَهْلِ وَالْقُوَى الْغَرِيزِيَّةِ الْهَابِطَةِ هُوَ: الْإِدْبَارُ عَنْ سَاحَةِ الْقُدْسِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالِاحْتِجَابُ عَنْ أَنْوَارِهَا . وَهَذَا يُشَكِّلُ أَحَدَ التَّفَاسِيرِ الْمَعْرِفِيَّةِ الْمَتِينَةِ الَّتِي قَدَّمَهَا أَهْلُ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) لِكَثِيرٍ مِنْ نُصُوصِ الْوَحْيِ وَبَيَانَاتِهِ ، مِنْهَا : 1 ـ بَيَانُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (7). 2 ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) : ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (8). وَدَلَالَتُهُمَا قَدِ اتَّضَحَتْ ؛ فَإِنَّهُمَا نَاظِرَانِ إِلَى الْمَرَاتِبِ وَالطَّبَقَاتِ النَّازِلَةِ مِنْ حَقِيقَةِ الْإِنْسَانِ المَقْهُورَةِ بِأَحْكَامِ النَّشْأَةِ المَادِّيَّةِ ، وَإِلَّا ؛ فَطَبَقَاتُ حَقِيقَتِهِ الصَّاعِدَةُ نُورَانِيَّةٌ خَيِّرَةٌ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) نهج السعادة ، ٣ : ١٧٤. (2) البحار ، ٧٣ : ١١٨ / ح١٠٩. (3) غرر الحكم : ٢٥٦٢. (4) نهج البلاغة : الخطبة ١١١. (5) الجهل مخلوق جوهريٌّ ، وله طبيعة ظلمانيَّة . (6) أصول الكافي ، 1 / كتاب العقل والجهل / ح14 . (7) إبراهيم : 34. (8) المعارج : 19 ، 20 ، 21