الفَائِدَةُ : (171/ 438) /
13/09/2026
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [تَقَوُّمُ هُوِيَّةِ الذَّاتِ بِفَصْلِهَا المُمَيِّزِ وَكَمَالِهَا الأَخِيرِ] [مَعَاقِدُ الهُوِيَّةِ بَيْنَ الفَصْلِ المُمَيِّزِ وَالْكَمَالِ الأَقْصَى] ثَمَّةَ مَبْحَثٌ نَفِيسٌ جِدّاً ، تسالمت عليه جميع المدارس المعرفيَّة ، وهو من الْمَبَاحِثِ المثمرة في مواردٍ عديدةٍ ، يَنْبَغِي الْاِلْتِفَات إِلَيْه ، حَاصِلُهُ : أَنَّ هُوِيَّةَ كُلِّ ذَاتٍ إِنَّمَا تَتَقَوَّمُ وَتَتَحَقَّقُ بِفَصْلِهَا المُمَيِّزِ وَكَمَالِهَا الأَخِيرِ ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي العُلُومِ العَقْلِيَّةِ ، وَذَلِكَ بِتَوَسُّطِ البُعْدِ المَعْنَوِيِّ وَالرُّوحِيِّ ؛ فَالْحَيَوَانُ ـ مَثَلًا ـ يَشْتَرِكُ مَعَ النَّبَاتِ فِي الْجِسْمِيَّةِ وَالقُوَّةِ النَّامِيَةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِمَا ، إِلاَّ أَنَّهُ يَفْتَرِقُ عَنْهُ وَيَنْمَازُ بِفَصْلِهِ المُمَيِّزِ وَكَمَالِهِ الأَخِيرِ ؛ المَتَمَثِّلَيْنِ فِي الحَرَكَةِ الٱخْتِيَارِيَّةِ وَالإِحْسَاسِ الجَلِيِّ . وَكَذَلِكَ الإِنْسَانُ ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ شَارَكَ الحَيَوَانَ فِي أُصُولِ الحَرَكَةِ وَالإِحْسَاسِ ، إِلاَّ أَنَّهُ يَفْتَرِقُ عَنْهُ بِفَصْلِهِ النَّاطِقِ وَكَمَالِهِ الأَخِيرِ ؛ حَيْثُ يَخْتَصُّ بِإِدْرَاكَاتٍ عَقْلِيَّةٍ عُلْيَا تُؤَهِّلُهُ لِتَنْظِيمِ النَّشْأَةِ الأَرْضِيَّةِ ، وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا ، وَتَسْخِيرِ كَثِيرٍ مِنَ المَخْلُوقَاتِ ، بِخِلاَفِ سَائِرِ الحَيَوَانَاتِ. [تَقَوُّمُ حَقِيقَةِ التَّعْرِيفِ بِالْكَمَالِ الغَائِيِّ] وَمِنْ ثَمَّ تَقَرَّرَ لَدَى المَنَاطِقَةِ : أَنَّ تَعْرِيفَ الشَّيْءِ بِغَايَتِهِ أَبْيَنُ تَعَارِيفِ هُوِيَّتِهِ وَحَقِيقَتِهِ وَأَكْمَلُهَا ؛ فَهِيَ أَرْخَى غَوْراً وَأَكْثَرُ إِفَادَةً مِنْ تَعْرِيفِهِ بِجِنْسِهِ وَفَصْلِهِ ، أَوْ مَادَّتِهِ وَصُورَتِهِ . وَذَلِكَ لِكَوْنِ لُبِّ الشَّيْءِ وَرُوحِهِ وَحَقِيقَتِهِ المَكْنُونَةِ إِنَّمَا تُطْلَبُ فِي غَايَتِهِ وَكَمَالِهِ الأَخِيرِ ؛ وَمِنْ هُنَا ٱمْتَازَ الإِنْسَانُ عَنِ سَائِرِ الحَيَوَانَاتِ بِكَمَالِهِ الأَخِيرِ ، المَتَمَثِّلِ فِي عَقْلِهِ وَرُوحِهِ الإِنْسَانِيَّةِ. [حَقِيقَةُ ذَاتِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بِفَصْلِهَا الأَخِيرِ] [عَدَمُ التَّنَاهِي مِنْ لَوَازِمِ حَقِيقَةِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)] [ٱمْتِنَاعُ إِحَاطَةِ أَيِّ مَخْلُوقٍ بِكُنْهِ حَقِيقَةِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)] هَذَا ، وَقَدِ ٱمْتَازَتْ حَقِيقَةُ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) عَنْ سَائِرِ البَشَرِ وَكَافَّةِ المَخْلُوقَاتِ بِفَصْلِهَا الأَخِيرِ (1) ، الَّذِي لاَ يَقِفُ عِنْدَ الجَنْبَةِ البَشَرِيَّةِ ، بَلْ يَتَجَسَّدُ فِي أَعْظَمِ كَمَالٍ يُمْكِنُ أَنْ يَنَالَهُ مَخْلُوقٌ عَلَى الإِطْلاَقِ (2) ؛ أَلَا وَهُوَ : أَنَّ ذَاتَهُ الشَّرِيفَةَ مَظْهَرٌ لِوَحْيٍ زَخَّارٍ ، وَفَيْضٍ إِلَهِيٍّ سَرْمَدِيٍّ لاَ يَنْقَطِعُ أَزَلاً وَلاَ أَبَداً ؛ سَوَاءٌ فِي هَذِهِ النَّشْأَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ أَمْ فِي النَّشَآتِ وَالعَوَالِمِ السَّابِقَةِ وَاللاَّحِقَةِ ؛ كَعَالَمِ الذَّرِّ وَالمِيثَاقِ ، وَعَالَمِ البَرْزَخِ ، وَالرَّجْعَةِ ، وَالقِيَامَةِ ، وَالآخِرَةِ الأَبَدِيَّةِ وَمَا بَعْدَهَا (3). فَانْظُرْ بَيَانَاتِ الوَحْيِ وَأَدِلَّتَهُ ، مِنْهَا : الدَّلِيلُ الأَوَّلُ : بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ قُدْسُهُ) : ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.(4) . بتقريب : إِنَّ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ (هُوَ) فِي الآيَةِ الثَّالِثَةِ ـ بِمُقْتَضَى اتِّسَاقِ السِّيَاقِ وَوَحْدَةِ السِّيَاقِ القُرْآنِيِّ ـ هُوَ عَيْنُ مَرْجِعِهِ فِي الآيَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ ؛ أَيْ الذَّاتُ المُقَدَّسَةُ وَالحَقِيقَةُ النَّبَوِيَّةُ لِسَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ، حَيْثُ وُصِفَتْ تِلْكَ الذَّاتُ الشَّرِيفَةُ بِأَنَّهَا «وَحْيٌ يُوحَى». وَلَمَّا كَانَ التَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الفِعْلِ المُضَارعِ (يُوحَى) يُفِيدُ التَّجَدُّدَ وَالاسْتِمْرَارَ التَّأْبِيدي ، فَقَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الحَقِيقَةَ المُحَمَّدِيَّةَ فِيَاضَةٌ لاَ يَعْتَرِيهَا نَفَادٌ وَلاَ انْقِطَاعٌ ؛ فَهِيَ سَحَابٌ هَاطِلٌ ، وَغَيْثٌ هَامِلٌ ، وَبَحْرٌ زَخَّارٌ لَا يَنْزَفُ ، وَعَيْنٌ ثَرَّاةٌ لاَ تَغُورُ ، وَرَوْضَةٌ مَطِيرَةٌ لَا نِهَايَةَ وَلَا انْقِطَاعَ لِوَحْيِهَا أَبَدَ الْآبَادِ وَدَهْرَ الدُّهُورِ ؛ مَا زَالَتْ لِلَّـهِ حَاجَةٌ فِي خَلْقِهِ. الدَّلِيلُ الثَّانِي : بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ وَتَقَدَّسَ) : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾(5). وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ فِي الآيَةِ الشَّرِيفَةِ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ ؛ إِذْ إِنَّهَا فِي مَقَامِ تَعْرِيفِ مَاهِيَّةِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وَبَيَانِ حَقِيقَتِهِ المُنْقَسِمَةِ إِلَى جَنْبَتَيْنِ : الأُؤلَى : جَنْبَةٌ بَشَرِيَّةٌ ؛ وَهِيَ المَشَارُ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. وَالأُخْرَى : جَنْبَةٌ وَحْيَانِيَّةٌ ؛ وَهِيَ المُمَثِّلَةُ لِلْفَصْلِ الأَخِيرِ لِمَاهِيَّةِ ذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ؛ فَلَيْسَ فَصْلُهُ المُمَيِّزُ هُوَ "النَّاطِقِيَّةَ" ، بَلْ هُوَ يَنْبُوعُ وَحْيٍ مِيزَ بِهِ عَنْ سَائِرِ الخَلْقِ . وَإِنَّ رُتْبَةَ هَذَا الوَحْيِ لَتَتَسَامَى فَوْقَ عَالَمِ العَقْلِ ، بَلْ وَتَعْلُو عَالَمَ النُّورِ ؛ إِذْ هِيَ مَنْهَلٌ رَوِيٌّ ، وَصِرَاطٌ سَوِيٌّ لاَ نِهَايَةَ لَهُ ، وَكَنْزٌ لاَ يَفْنَى ، وَبَحْرٌ مَوَّاجٌ لاَ يَنْزَفُ وَلاَ يُدْرَكُ طَرَفُهُ ، وَلاَ يُبْلَغُ عُمْقُهُ ، يَغْرَقُ فِي دَهْمَائِهِ السُّبَّاحُ ، وَيَحَارُ فِي دُرَرِهِ العُلَمَاءُ ، وَيَضِيقُ عَنْ الفَضَاءِ عَرْضُهُ. وَإِلَى هَذِهِ الْجَنْبَةِ الْمَلَكُوتِيَّةِ أَوْمَأَ الْبَيَانُ الْإِلَهِيُّ فِي قَوْلِهِ : ﴿يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ ؛ حَيْثُ عَبَّرَ عَنْهَا بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ ـ كَمَا فِي الْبَيَانِ الْأَوَّلِ ـ الْمُفِيدَةِ لِلتَّجَدُّدِ وَالِاسْتِمْرَارِ الْأَبَدِيِّ الَّذِي لَا يَعْتَرِيهِ انْقِطَاعٌ ؛ لَا فِي هَذِهِ النَّشْأَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ ، وَلَا فِي الْعَوَالِمِ اللَّاحِقَةِ ، بَلْ وَلَا فِي الْعَوَالِمِ السَّابِقَةِ أَيْضًا. وَهَذَا الْمَقَامُ السَّامِي ، وَالْهِبَةُ الْإِلَهِيَّةُ الِاصْطِفَائِيَّةُ التَّكْوِينِيَّةُ ، لَمْ يُثْبِتْهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ لِمَخْلُوقٍ آخَرَ قَطُّ فِي جُمْلَةِ الْعَوَالِمِ غَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ ، بَلْ وَلَمْ يُثْبِتْهَا لِنَفْسِهِ ؛ إِذْ عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ الْمَاضِي ﴿أَوْحَىٰ﴾. فَلَاحِظْ : بَيَانَاتُ الْوَحْيِ ، مِنْهَا : بَيَانُ قَوْلِهِ (عَزَّ مِنْ قَائِلٍ) : ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾(6). الدَّلِيلُ الثَّالِثُ : وَيُمَثِّلُهُ : أَّوَّلًا : بَيَانُ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مُخَاطِبًا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « ... يَا عَلِيُّ ... وَأَنْتَ السَّبَبُ فِيمَا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ بَعْدِي ... يَا عَلِيُّ ، مَا عُرِفَ اللَّهُ إِلَّا بِي ثُمَّ بِكَ ...»(7). ثَانِيًا : بَيَانُ الْإِمَامِ الْبَاقِرِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) : « لَيْسَ شَيْءٌ أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَىٰ مِنْ رَسُولِهِ ... » (8). ثَالِثًا : بَيَانُ الْإِمَامِ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) : « أَوَّلُ مَنْ سَبَقَ مِنَ الرُّسُلِ إِلَىٰ (بَلَىٰ) رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ؛ وَذَٰلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَقْرَبَ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ (تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ) ، وَكَانَ بِالْمَكَانِ الَّذِي قَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ ـ لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ ـ : تَقَدَّمْ يَا مُحَمَّدُ ، فَقَدْ وَطِئْتَ مَوْطِئًا لَمْ يَطَأْهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ(9) ، وَلَوْلَا أَنَّ رُوحَهُ وَنَفْسَهُ كَانَتَا مِنْ ذَٰلِكَ الْمَكَانِ لَمَا قَدَرَ أَنْ يَبْلُغَهُ ، فَكَانَ مِنَ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾(10) أَيْ : بَلْ أَدْنَىٰ ، فَلَمَّا خَرَجَ الْأَمْرُ مِنَ اللَّهِ وَقَعَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)...»(11). رَابِعًا : بَيَانُ الزِّيَارَةِ الْجَامِعَةِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) : « ... فَلَيْسَ فَوْقَكُمْ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَا أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْكُمْ ، وَلَا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْكُمْ ، وَلَا أَحْظَىٰ لَدَيْهِ...»(12). بِتَقْرِيبٍ يَتَوَقَّفُ عَلَىٰ مُقَدِّمَاتٍ أَرْبَعٍ : الأُولَى : إِنَّ هَذِهِ البَيَانَاتِ الوَحْيَانِيَّةَ ـ وَغَيْرَهَا الكَثِيرَ ـ تُثْبِتُ أَنَّهُ لاَ أَحَدَ أَقْرَبُ إِلَى الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ الأَزَلِيَّةِ المُقَدَّسَةِ مِنْ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)(13) ؛ فَهُوَ الجَنْبُ العَلِيُّ، وَالوَجْهُ الرَّضِيُّ ، وَالوَسِيلَةُ إِلَى اللهِ ، وَالوُصْلَةُ إِلَى عَفْوِهِ وَرِضَاهُ ، وَسِرُّ اللهِ الوَاحِدِ الأَحَدِ ، فَلاَ يُقَاسُ بِهِ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدٌ. الثَّانِيَةُ : إنَّ هَذِهِ الْبَيَانَاتِ الْوَحْيَانِيَّةَ وَغَيْرَهَا تُثْبِتُ بِإِطْلَاقِهَا : أَنَّ هَذَا الْقُرْبَ مُمْتَدٌّ أَزَلًا وَأَبَدًا. الثّالِثَةُ : إنَّ مَعْنَى هذا القُرْبِ : أنَّ ذاتَ سَيِّدِ الأَنْبِياءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) هي الواسِطَةُ في العَطاءِ والرَّحْمَةِ الإِلهِيَّةِ ، ومَبْدَأُ المَدَدِ والفيْضِ الإِلهِيِّ الأوَّلِ المُتَدَفِّقِ مِنَ الذَّاتِ الإِلهِيَّةِ الأَزَلِيَّةِ المُقَدَّسَةِ ـ فِي قَوْسِ النُّزُولِ ـ إلى عامَّةِ العَوالِمِ وَسائِرِ المَخْلُوقاتِ غَيْرِ المَتَناهِيَةِ ؛ فَيْضاً لا نَفادَ لَهُ وَلا انْقِطاعَ ، وَلا يُسَدُّ بابُهُ أَبَدَ الآبادِ ما دامَ فِي الوُجُودِ مَخْلُوقٌ ، وَإِلّا لَما كانَ لِلْمَخْلُوقاتِ حَظٌّ مِنَ الواقِعِيَّةِ وَالوُجُودِ. الرَّابِعَةُ : إنَّ الوَحْيَ الإِلَهِيَّ ـ بِشَتَّى أَنْواعِهِ ومَراتِبِهِ ـ ما هُوَ إلّا شُعْبَةٌ مِنْ هَذِهِ العَطايا والفُيُوضاتِ الإِلَهِيَّةِ المارَّةِ ـ أَزَلاً وأَبَداً ـ عَبْرَ طَبَقاتِ حَقِيقَةِ سَيِّدِ الأَنْبِياءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) المُمْتَدَّةِ إلى سائِرِ العَوالِمِ وكافَّةِ المَخْلُوقاتِ غَيْرِ المَتَناهِيَةِ (14). وَالنَّتِيجَةُ : إنَّ ذاتَ سَيِّدِ الأَنْبِياءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بَحْرٌ زَخّارٌ ، وَعَيْنٌ غَزِيرَةٌ بالوَحْيِ لا انْقِطاعَ لَها أَبَدَ الآبِدِينَ وَدَهْرَ الدَّاهِرِينَ ؛ فَيَكُونُ عِلْمُ الأَنْبِياءِ فِي عِلْمِهِ ، وَسِرُّ الأَوْصِياءِ فِي سِرِّهِ ، وَعِزُّ الأَوْلِياءِ فِي عِزِّهِ؛ كالقَطْرَةِ فِي بُحُورِ ما لا يَتَناهى ، وَالذَّرَّةِ فِي قَفْرِ اللّاتَناهِي . فَإِنَّ عُلُومَ الأَنْبِياءِ وَالمُرْسَلِينَ وَالمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ وَسائِرِ كُمَّلِ المَخْلُوقِينَ ـ مَهْما بَلَغَتْ ـ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ مَحْدُودَةً ، وَلا نِسْبَةَ رِياضِيَّةً بَيْنَ المَحْدُودِ وَغَيْرِ المَحْدُودِ ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ عُلُومِ المَخْلُوقاتِ بالْإِضافَةِ إلى عِلْمِهِ كالعَدَمِ ؛ إذْ إنَّ نِسْبَةَ المَحْدُودِ إلى غَيْرِ المَحْدُودِ نِسْبَةُ الصِّفْرِ المَحْضِ . وَإِلّا ـ أيْ : لَوْ فُرِضَ لِلْمَحْدُودِ قِبالَ غَيْرِ المَحْدُودِ نِسْبَةٌ وَقِيمَةٌ وَإنْ دَقَّتْ لِلْغايَةِ ـ لَلَزِمَ انْقِلابُ حَقِيقَةِ غَيْرِ المَحْدُودِ إلى المَحْدُودِيَّةِ ، وَبُطْلانُ انْقِلابِ الحَقائِقِ مِنَ البَدِيهِيّاتِ ، فَضْلاً عَنْ لُزُومِ خُلْفِ الفَرْضِ. [تَجَلِّي المَعَانِي فِي غَفِيرِ نُصُوصِ الوَحْيِ] [النَّبَوَّةُ الخَاتِمَةُ وَسَيَادَتُهَا فِي العَوَالِمِ السَّالِفَةِ] [سَيَادَةُ المَقَامِ المَحْمُودِ عَلَى الأَنْبِيَاءِ فِي العَوَالِمِ السَّابِقَةِ] وَمِمَّا تَقَدَّمَ يَنْجَلِي : المَعْنَى المَقْصُودُ فِي جَمٍّ غَفِيرٍ مِنْ بيانات الوَحْيِ الوارِدَةِ فِي بَيَانِ بَعْضِ المَرَاتِبِ النُّورَانِيَّةِ لِحَقِيقَةِ سَيِّدِ الأَنْبِياءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ، مِنْها : أَوَّلًا : بَيَانُهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : « قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَتَى كُنْتَ نَبِيًّا ؟ قَالَ : وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ»(15). ثَانِيًا : بَيَانُ الْإِمَامِ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) : « مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا أَكْرَمَ مِنْ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ، وَلَا خَلَقَ اللَّهُ قَبْلَهُ أَحَدًا ، وَلَا أَنْذَرَ اللَّهُ خَلْقَهُ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ، فَذَٰلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَىٰ : ﴿هَٰذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَىٰ﴾(16) ، وَقَالَ : ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾(17) ؛ فَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ مُطَاعٌ فِي الْخَلْقِ ، وَلَا يَكُونُ بَعْدَهُ إِلَىٰ أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ فِي كُلِّ قَرْنٍ إِلَىٰ أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا»(18)(19). ثَالِثًا : بَيَانُهُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) أَيْضًا ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : « سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) : ﴿هَٰذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَىٰ﴾ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ (تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ) مَا ذَرَأَ الْخَلْقَ فِي الذَّرِّ الْأَوَّلِ فَأَقَامَهُمْ صُفُوفًا قُدَّامَهُ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ، فَآمَنَ بِهِ قَوْمٌ ، وَأَنْكَرَهُ قَوْمٌ ، فَقَالَ اللَّهُ : ﴿هَٰذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَىٰ﴾ يَعْنِي بِهِ : مُحَمَّدًا (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) حَيْثُ دَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) فِي الذَّرِّ الْأَوَّلِ»(20). رَابِعًا : بَيَانُهُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) أَيْضًا ، عَنِ الْمُفَضَّلِ ، قَالَ : « قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) : يَا مُفَضَّلُ ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ (تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ) بَعَثَ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وَهُوَ رُوحٌ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ؛ وَهُمْ أَرْوَاحٌ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلْقِ بِأَلْفَيْ عَامٍ؟ قُلْتُ : بَلَىٰ ، قَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَىٰ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ ، وَوَعَدَهُمُ الْجَنَّةَ عَلَىٰ ذَٰلِكَ ، وَأَوْعَدَ مَنْ خَالَفَ مَا أَجَابُوا إِلَيْهِ وَأَنْكَرَ النَّارَ؟ فَقُلْتُ : بَلَىٰ»(21). وَدَلَالَتُهُ ـ كَدَلَالَةِ سَوَابِقِهِ ـ ظاهِرَةُ الجَلاءِ ؛ عَلَىٰ أَنَّ سَيِّدَ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) كَانَ نَبِيَّ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْعَوَالِمِ السَّابِقَةِ ، وَيَتَمَتَّعُ بِوَحْيٍ إِلَهِيٍّ. [فُصُولُ حَقَائِق سَائِرِ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) بُحُورُ وَحْيٍ لَا نِهَايَةَ لَهُ أَبَدًا] وَلَمَّا كَانَتْ حَقَائِقُ سَائِرِ أَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) فِي المَرَاتِبِ الصَّاعِدَةِ مُتَرَشِّحَةً وَمُشْتَقَّةً وَمُتَجَلِّيَةً مِنْ حَقِيقَةِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) الصَّاعِدَةِ ؛ غَدَتْ فُصُولُ حَقَائِقِهِمْ ـ وَبِمُقْتَضَىٰ قَاعِدَةِ السِّنْخِيَّةِ ـ بَحْرًا مِنَ الْوَحْيِ زَخَّارًا لَا نِهَايَةَ لَهُ أَيْضًا أَبَدَ الْآبَادِ وَدَهْرَ الدُّهُورِ ، فِي هَٰذَا الْعَالَمِ وَفِي سَائِرِ الْعَوَالِمِ وَالنَّشْآتِ السَّالِفَةِ وَاللَّاحِقَةِ. نَعَمْ ؛ إِنَّ المَدَدَ الوَحْيَانِيَّ لِذَوَاتِ أَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) لَيْسَ وَحْيَ نُبُوَّةٍ وَتَشْرِيعٍ ، بَلْ هُوَ وَحْيُ إِلهَامٍ وَعِلْمٍ لَدُنِيٍّ ؛ بِخِلاَفِ حَقِيقَةِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ؛ فَإِنَّهَا ـ فَضْلاً عَنْ اشْتِمَالِهَا عَلَى وَحْيِ النُّبُوَّةِ وَالتَّشْرِيعِ ـ حَائِزَةٌ لِوَحْيِ العِلْمِ اللَّدُنِيِّ أَيْضاً ؛ لِكَوْنِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) نَبِيَّ الأَنْبِيَاءِ وَإِمَامَ الأَئِمَّةِ ، فَتَكُونُ ذَاتُهُ الشَّرِيفَةُ قَدْ جَمَعَتْ بَيْنَ وَحْيِ النُّبُوَّةِ بِجَمِيعِ مَرَاتِبِهِ ، وَوَحْيِ الْإِمَامَةِ بِكَافَّةِ طَبَقَاتِهِ أَيْضًا. وَإِلَى هٰذَا أَشَارَتْ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ الْمَعْرِفِيَّةُ ، مِنْهَا : 1- بَيَانُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) الْوَارِدُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) : « ... الْإِمَامُ ... ظَاهِرُهُ أَمْرٌ لَا يُمْلَكُ ، وَبَاطِنُهُ غَيْبٌ لَا يُدْرَكُ ... جَلَّ مَقَامُ آلِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) عَنْ وَصْفِ الْوَاصِفِينَ ، وَنَعْتِ النَّاعِتِينَ ، وَأَنْ يُقَاسَ بِهِمْ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ ... الْإِمَامُ ... بَشَرٌ مَلَكِيٌّ ، وَجَسَدٌ سَمَاوِيٌّ ، وَأَمْرٌ إِلٰهِيٌّ ، وَرُوحٌ قُدْسِيٌّ ، وَمَقَامٌ عَلِيٌّ ، وَنُورٌ جَلِيٌّ ، وَسِرٌّ خَفِيٌّ ، فَهُوَ مَلَكِيُّ الذَّاتِ ، إِلٰهِيُّ الصِّفَاتِ ... هٰذَا كُلُّهُ لِآلِ مُحَمَّدٍ لَا يُشَارِكُهُمْ فِيهِ مُشَارِكٌ ... عِلْمُ الْأَنْبِيَاءِ فِي عِلْمِهِمْ ، وَسِرُّ الْأَوْصِيَاءِ فِي سِرِّهِمْ ، وَعِزُّ الْأَوْلِيَاءِ فِي عِزِّهِمْ كَالْقَطْرَةِ فِي الْبَحْرِ ، وَالذَّرَّةِ فِي الْقَفْرِ ... وَمَنْ أَنْكَرَ ذٰلِكَ فَهُوَ شَقِيٌّ مَلْعُونٌ ، يَلْعَنُهُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُ اللَّاعِنُونَ ... فَهُمُ ... الْأَسْرَارُ الْإِلٰهِيَّةُ الْمَوْدَعَةُ فِي الْهَيَاكِلِ الْبَشَرِيَّةِ ... » (22). 2- إِطْلَاقُ بَيَانِ الْإِمَامِ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) : « كُلُّ مَا كَانَ لِمُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فَلَنَا مِثْلُهُ إِلَّا النُّبُوَّةَ وَالْأَزْوَاجَ» (23). 3- بَيَانُ الْإِمَامِ الْهَادِي (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) ، الْوَارِدُ فِي تَفْسِيرِ بَيَانِ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ : « ... ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (24) ؛ فَهُوَ كَذٰلِكَ ، لَوْ أَنَّ أَشْجَارَ الدُّنْيَا أَقْلَامٌ ، وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ، وَانْفَجَرَتِ الْأَرْضُ عُيُونًا لَنَفِدَتْ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ اللَّهِ ... وَنَحْنُ كَلِمَاتُ اللَّهِ الَّتِي لَا تَنْفَدُ وَلَا تُدْرَكُ فَضَائِلُنَا... » (25). وَدَلَالَتُهُ ـ كَدَلَالَةِ سَابِقَيْهِ ـ وَاضِحَةٌ ، وَلَا غُبَارَ عَلَيْهَا. [صَفْوَةُ المَقَالِ فِي تَقَوُّمِ الحَقَائِقِ بِالمَآلاَتِ] [عُصَارَةُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ] وَعُصَارَةُ مَا تَقَدَّمَ : أَنَّ التَّعْرِيفَ النَّاضِجَ وَالسَّدِيدَ : أَنْ تُعَرَّفَ حَقَائِقُ الْأَشْيَاءِ وَتُبَيَّنَ بِـ : عَوَاقِبِهَا وَنِهَايَاتِهَا وَمَآلَاتِهَا وَغَايَاتِهَا وَكَمَالَاتِهَا الْأَخِيرَةِ ، لَا بِمَبَادِئِهَا وَمَصَادِيقِهَا ؛ فَإِنَّهُ تَعْرِيفٌ وَبَيَانٌ ابْتِدَائِيٌّ. وَهٰذِهِ الْقَضِيَّةُ شَامِلَةٌ لجملة الْعُلُومِ ، كـ : عُلُومِ الْمَعَارِفِ الالهية ، وَالتَّفْسِيرِ ، وَالْمَنْطِقِ ، وَالْكِيمْيَاءِ ، وَالْفِيزِيَاءِ ، وَالاجْتِمَاعِ ، وَالسِّيَاسَةِ ، وَالْقَانُونِ ، وَالاِقْتِصَادِ ؛ إِذْ لَا يُحْكَمُ فِي قَاطِبَةِ الْعُلُومِ عَلَى الشَّيْءِ أَوِ الْحَقِيقَةِ إِلَّا بِعَاقِبَتِهِ وَمَآلِهِ ، وَمُنْتَهَى نَتَائِجِهِ. إِذَنْ : فَإِنَّ كُنْهَ الْمَعَانِي وَجَوْهَرَ الْحَقَائِقِ ، وَلُبَابَهَا الْأَصْمَعَ ، إِنَّمَا يَرْتَكِزُ فِي خَوَاتِيمِهَا وَمَآلَاتِهَا ، وَيَتَجَلَّى فِي غَايَاتِهَا. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) يَنْبَغِي صَرْفُ النَّظَرِ فِي هٰذَا الْمَقَامِ إِلَى نُكْتَةٍ مَنْهَجِيَّةٍ بَالِغَةِ الْأَهَمِّيَّةِ ، تَأْتِي فِي بَابِ النُّبُوَّةِ وَالْإِمَامَةِ الْإِلٰهِيَّةِ ؛ وَهِيَ : أَنَّ مَعْرِفَةَ كُنْهِ مَاهِيَّةِ وَحَقِيقَةِ النُّبُوَّةِ وَالْإِمَامَةِ الْإِلٰهِيَّةِ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ تَوْقِيفِيٌّ مِنْ لَدُنِ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) ، فَلَا يَسَعُ بَشَرًا ـ كَالْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ ـ حَدُّهَا وَتَعْرِيفُهَا ؛ وَإِلَّا كَانَ لَازِمُ ذٰلِكَ الزَّيْغَ وَالِانْحِرَافَ ، وَالتَّشْبِيهَ وَالْجُحُودَ. بَلْ إِنَّ مَنْ يَدَّعِي مِنْ قَاطِبَةِ الْمَخْلُوقَاتِ مَعْرِفَةَ كُنْهِ ذَاتِ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وَحَقِيقَتِهِ ، فَقَدْ قَالَ غَلَطًا ، وَتَكَلَّفَ شَطَطًا. نَعَمْ ، يُمْكِنُ ادِّعَاءُ مَعْرِفَتِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) مِنْ وَجْهٍ ، وَبِالْهُوِيَّةِ الْمُشَخِّصَةِ. وَلَيْسَ هٰذَا مِنْ بَابِ الْغُلُوِّ أَوْ التَّأْلِيهِ فِي شَيْءٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعْظِيمٌ لِلذَّاتِ الإِلٰهِيَّةِ الأَزَلِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ ، وَحِفْظٌ لِمَقَامَاتِ خَلْقِ اللهِ سُبْحَانَهُ ، قَبْلَ أَنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِذَاتِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ؛ إِذْ إِنَّ عَظَمَةَ الْفِعْلِ مِنْ عَظَمَةِ الْفَاعِلِ ، وَلَمَّا كَانَتْ ذَاتُ الْبَارِي (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ ، فَكَذٰلِكَ فِعْلُهُ. وَعَلَى الضِّدِّ مِنْ ذٰلِكَ فَقِسِ اسْتِنْقَاصَ فِعْلِهِ (جَلَّ قُدْسُهُ) وَدَعْوَى تَنَاهِيهِ ؛ فَإِنَّ لَازِمَهُ ـ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ ـ نِسْبَةُ النَّقْصِ وَالْحُكْمُ بِتَنَاهِي الذَّاتِ الإِلٰهِيَّةِ الأَزَلِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ. وَعَلَيْهِ ؛ فَقِسِ الإِمَامَةَ الإِلٰهِيَّةَ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ ؛ لِكَوْنِهِمَا يَرْتَضِعَانِ مِنْ لَبَانٍ وَاحِدٍ. (2)يَنْبَغِي الاِلْتِفَاتُ : أَنَّ نُعُوتَ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وَسَائِرِ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) وَأَوْصَافَهُمْ وَكُنَاهُمْ وَأَسْمَاءَهُمْ ، لَيْسَتْ مَدْحًا وَثَنَاءً فَحَسْبُ ؛ بَلْ هِيَ مَعَارِفُ حَقِيقِيَّةٌ يَجْدُرُ بِالْمَخْلُوقِ امْتِحَانُ نَفْسِهِ كُلَّ يَوْمٍ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا ؛ لِيَأْخُذَ نَفْسَهُ بِمَسْئُولِيَّةٍ وَمَعْرِفَةٍ جَدِيدَتَيْنِ ، بِخِلَافِ السَّيْرِ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ فَإِنَّهُ نَحْوٌ مِنَ التَّكَاسُلِ وَالْبَلَادَةِ. (3)يَجْدُرُ الاِلْتِفَاتُ : أَنَّ مَا يَضْطَلِعُ بِهِ سَيِّدُ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وَسَائِرُ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) مِنْ أَدْوَارٍ وَمَسْئُولِيَّاتٍ فِي عَالَمِ الآخِرَةِ الأَبَدِيَّةِ ، هُوَ أَعْظَمُ شَأْنًا ، وَأَرْفَعُ مَسْئُولِيَّةً ، وَأَخْطَرُ خَطْبًا ـ بِلَا قِيَاسٍ ـ مِنْ أَدْوَارِهِمُ الَّتِي قَامُوا وَيَقُومُونَ وَسَيَقُومُونَ بِهَا فِي عَالَمِ الدُّنْيَا بِنَشَآتِهِ الثَّلَاثِ. (4) النَّجْمُ : 2-4. (5) فُصِّلَتْ : 6. (6) الْكَهْفُ : 27. (7) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 22: 147 ـ 148 / ح141. كِتَابُ (سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ): 215 ـ 216. (8) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 24: 202 / ح36. (9) فِي الْمَصْدَرِ : «لَمْ يَطَأْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ ؛ مَلَكٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ» . (10) النَّجْمُ : 9. (11) بِحَارُ الْأَنْوَارِ، 5: 236 / ح12. تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: 229 ـ 230. (12) بِحَارُ الْأَنْوَارِ، 97: 344. (13)يَنْبَغِي الاِلْتِفَاتُ : أَنَّ الْمَخْلُوقَ الَّذِي لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذَّاتِ الإِلٰهِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ وَاسِطَةٌ بِقَوْلٍ مُطْلَقٍ ، إِنَّمَا هُوَ سَيِّدُ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بِطَبَقَتِهِ النُّورِيَّةِ الصَّاعِدَةِ ؛ أَمَّا سَائِرُ الْمَخْلُوقَاتِ ـ وَمِنْهَا الطَّبَقَاتُ النَّازِلَةُ لِذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ مِنْ رُوحِهِ وَنَفْسِهِ وَبَدَنِهِ ـ فَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الذَّاتِ الإِلٰهِيَّةِ الأَزَلِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ وَاسِطَةٌ بِالضَّرُورَةِ. وَهٰذَا بَحْثٌ يَأْتِي (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) فِي أَبْوَابِ : الصِّفَاتِ وَالأَسْمَاءِ الإِلٰهِيَّةِ ، وَالنُّبُوَّةِ ، وَالإِمَامَةِ الإِلٰهِيَّةِ. (14) إِنَّ هُنَاكَ فَرْقًا ـ بِلَا قِيَاسٍ ـ بَيْنَ الأَوْلَوِيَّاتِ وَالتَّكَالِيفِ الَّتِي خُوطِبَ بِهَا سَيِّدُ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ، وَبَيْنَ مَا خُوطِبَتْ بِهِ قَاطِبَةُ الْمَخْلُوقَاتِ ؛ بِمَا فِيهَا سَائِرُ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ (وَمِنْهُمْ أُولُو الْعَزْمِ) وَالْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ؛ بَلْ إِنَّ سَائِرَ الْخَلْقِ يَعْجِزُونَ عَنْ عُشْرِ مِعْشَارِهَا ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُخَاطَبْ بِهَا أَحَدٌ غَيْرُهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ؛ لِخُرُوجِهَا عَنْ وُسْعِ الكَافَّةِ وَمَقْدُرَتِهِمْ. بَلْ إِنَّ جُمْلَةً مِنْ تِلْكَ التَّكَالِيفِ لَا يَكْنُّهَا وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا حَتَّى ثَانِي أَشْرَفِ الْمَخْلُوقَاتِ قَاطِبَةً ، مَنْ هُوَ نَفْسُ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ : أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَعَلَى آلِهِمَا) ؛ لِكَوْنِ مَقَامَاتِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وَمَنَاصِبِهِ وَصَلَاحِيَّاتِهِ الإِلٰهِيَّةِ أَعْظَمَ وَأَجَلَّ مِنْ مَقَامَاتِ كَافَّةِ الْمَخْلُوقَاتِ وَمَنَاصِبِهِمْ بِلَا قِيَاسٍ . وَمِنْ هٰذَا الْمُنْطَلَقِ كَانَتْ عُبُودِيَّتُهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) أَعْظَمَ العُبُودِيَّاتِ ؛ فَكَانَ طِوَالَ حَيَاتِهِ الشَّرِيفَةِ يَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبِيدِ ؛ كَيْ لَا يَبْرُزَ لِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ إِﻧِّﻴَّﺔٌ أَوْ ظُهُورٌ وَلَوْ لِلَحْظَةٍ ، أَوْ بِمِقْدَارِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ. وَهٰذَا بَيَانٌ جَلِيلٌ عَظِيمٌ فِي شَأْنِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ؛ دَالٌّ عَلَى سُمُوِّ مَقَامَاتِهِ وَصَلَاحِيَّاتِهِ الإِلٰهِيَّةِ ، وَعَجْزِ كَافَّةِ الْمَخْلُوقَاتِ عَنْ وَصْفِ شَأْنٍ مِنْ شُؤُونِهِ. (15) الدُّرُّ المَنثُورُ ، 8: 128. (16) النَّجْمُ : 56. (17) الرَّعْدُ : 7. (18) بِحَارُ الأَنْوَارِ ، 16: 371/ح82. مَجَالِسُ الشَّيْخِ: 63. (19) إِنَّ لِسَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) أَوْسِمَةً شَرَفِيَّةً ، وَمَقَامَاتِ سُؤْدُدٍ عَالِيَةً ، أَفَاضَتْهَا عَلَيْهِ يَدُ العَطَاءِ الإِلَهِيِّ ، لَمْ يَحْظَ بِهَا مَخْلُوقٌ قَطُّ ؛ لَا فِي الأَوَّلِينَ وَلَا فِي الآخِرِينَ ، وَمِنْ أَعْظَمِهَا جَلَالاً : مَقَامُ الإِمَامَةِ المَطْلَقَةِ لِعَامَّةِ الأَئِمَّةِ. (20) بِحَارُ الأَنْوَارِ ، 5: 234/ح7. (21) بِحَارُ الأَنْوَارِ ، 29: 194 ـ 196/ح5. عِلَلُ الشَّرَائِعِ: 65. (22) بِحَارُ الأَنْوَارِ ، 25: 169 ـ 174/ح38. (23) المَصْدَرُ نَفْسُهُ ، 26: 317/ح83. (24) لُقْمَانُ : 27. (25) بِحَارُ الأَنْوَارِ ، 10: 386 ـ 389/ح1