/ الفَائِدَةُ : (12) /
17/10/2025
بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. / الفارق بين عنوان (الإِكمال) وعنوان (الاتمام)/ يوجد هناك إِهتمام من قِبَل المدارس البشرية بالوصايا الدينيَّة والشرعيَّة الواردة في دين وشريعة سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بغضّ النَّظر عن مسألة الإِيمان بالآخرة ؛ والنُّكْتَة : أَنَّ تشريعات وحي السَّماء تغدق على مَنْ يتمسَّك ويعمل بها رغد ورغيد العيش . وهذا ما تُشير إِليه بيانات الوحي ، منها : بیان قوله جلَّ وعلا : [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا] (1). بتقريب : أَنَّ هناك فارقاً جوهريّاً وأَسراراً عقائديَّة وقانونيَّة عجيبة وعظيمة جِدّاً بين معنىٰ وحقيقة عنوان : (الإِكمال) ومعنىٰ وحقيقة عنوان : (الإِتمام) ، حاصله : أَنَّ عنوان وكلمة : (الإِكمال) تُطلق لغة ويُراد منها : خروج الشيء من طورٍ نوعيٍّ وماهويٍّ إِلى طور نوعيٍّ وماهويٍّ آخر ؛ فيخرج الشيء من ماهيَّة وحقيقةٍ ونوعٍ ويدخل في ماهيَّةٍ وحقيقةٍ أُخرىٰ ونوعٍ آخر . بخلاف عنوان وكلمة : (الإِتمام) ؛ فإِنَّه لا يحكي عن تَغَيُّر ماهيَّة وحقيقة ونوع الشيء . مثال الإِكمال : تأليف الكُلِّي الطَّبيعي من أَجزائه ، فحقيقة (الماء) ـ مثلاً ـ عبارة عن اِتِّحاد غَازَين ، أَحدهما (الهيدروجين) ، والآخر (الأُكسجين) ، فإِذا اَتَّحدا وانضمّ أَحدهما إِلى الآخر خرجت ماهيَّتهما وحقيقتيهما من طور وحقيقة الغازية إِلى طور وحقيقة الماء . مثال آخر للإِكمال : مراحل تكوين الجنين الُمشار إِليها في بيان قوله جلَّ ثناؤه : [وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْـخَالِقِينَ] (2) ؛ فإِنَّها تُخرج الجنين من ماهيَّةٍ وحقيقةٍ وطور نوعيّ وماهويّ إِلى ماهيَّةٍ وحقيقةٍ وطور نوعي وماهوي آخر ، فتخرج الجنين من ماهيَّة وحقيقة وطور سلالة الطين وتدخله في ماهيَّة وحقيقة وطور النطفة ، ثُمَّ تخرجه من ماهيَّة وحقيقة وطور النطفة وتُدخله في ماهية وحقيقة وطور العلقة ، ثُمَّ تخرجه من ماهيَّة وحقيقة وطور العلقة وتُدخله في ماهيَّة وحقيقة وطور المضغة ، ثُمَّ تخرجه من ماهيَّة وحقيقة وطور المضغة وتدخله في ماهيَّة وحقيقة وطور العظام واللحم ، ثُمَّ تخرجه من ماهيَّة وحقيقة وطور العظام واللحم وتدخله في ماهيَّة وحقيقة وطور الإِنسانية . مثال الإِتمام : تأليف الكُلّ من أَجزائه ؛ كالجدار ، فإِنَّه مؤلَّف من لبنات واحجار ، وانضمام بعضها إِلى الآخر لا يُغيِّر ماهيَّة السَّابق وحقيقته وطوره النَّوعي ، نعم بانضمام بعضها إِلى الآخر يتكوَّن الجدار . ومنه يتَّضح : عدم صحَّة التَّعبير عن إِتمام البناء بـ : (إِكمال البناء) ، والصَّحيح : أَنْ يُعبَّر عنه بـ : (إِتمام البناء) ، وكذا لا يصحُّ التَّعبير عن مراحل تكوين الجنين بـ : (إِتمام الجنين) ، والصَّحيح : أَنْ يُعبَّر عنها بـ : (إِكمال الجنين) . ومن كُلِّ هذا يتَّضح : بيان الآية الكريمة المُتقدِّم في صدر البحث ، الوارد بعد تبليغ بيعة الغدير والإِصحار على رؤوس الأَشهاد بولاية أَمِير الْمُؤْمِنِينَ وسائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، فولايتهم عَلَيْهم السَّلاَمُ ليست إِتمام الدِّين ، بل إِكمال له وخروجه من طور النُّطفة والإِسلام الظَّاهري إِلى طور الإِيمان والإِسلام الواقعي ، وهو طور ونوع آخر وماهيَّة وحقيقة أُخرىٰ . وإِلى هذا تُشير بيانات الوحي الأُخرىٰ ، منها : بيان قوله جلَّت آلاؤه : [قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ] (3). وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)المائدة : 3 . (2) المؤمنون : 12ـ 14 . (3) الحجرات : 14