/ الفَائِدَةُ : (33)/
23/10/2025
بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. /دور العقل (أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ)/ إِنَّ الْبِنْيَة الأَساسيَّة في العقل والتي يعتمد عليها نظام الدِّين : أَنَّه (أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ) . وهذا بحثٌ جرى فيه سجال ونقض وإِبرام ، وقد تطوَّر وتعمَّق عبر أَجيال كثيرة ، لاسيما في مَدْرَسَة اتباع أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ . ومعناه : أَنَّه لا تشطيب للعقل ولا إِبعاد ولا إِقصاء لدوره في مطلق الموارد . ولا إِعطاءه حُجِّيَّة الحاكم والولي ، وإِنَّما (أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ) . وفي هذا نُكَتٌ فلسفيَّة : عقائديَّة و سياسيَّة . ومنه يَتَّضِح : كثير من بيانات الوحي ، منها : بيان الحديث القدسي الوارد في حَقِّ العقل ؛ وتخصيصه بالْخِطَاب الإِلهي : « إِيَّاك آمر ، وإِيَّاك أنهى ، وإِيَّاك أُثيب ، وإِيَّاك أُعاقِب » (1). فإِنَّ معناه : ليس حصر الْخِطَابَات الْإِلَهِيَّة بالعقل ؛ وعدم مُخَاطَبة سائر قوى الإِنسان وجوارحه بالتَّكاليف والمسؤوليَّات الْإِلَهِيَّة ، بل معناه : أَنَّ الأَمر والنهي الخطير ؛ والمسؤوليَّات والأُمور الأَساسيَّة ؛ وولاية البدن والنَّفس والرُّوح وقواها إِنَّما تُعهد ويُخَاطَب بها العقل بالدَّرجة الأُولى . وهذا ما يرسم لنا حُجِّيَّة العقل ونسبتها مع حُجِّيَّة الكتاب الكريم والسُّنَّة الشَّريفة ؛ وأَنَّ حُجِّيَّته كاشفة وفي طولهما ، فالعقل عين وبصيرة يَدرِك بها الإِنسان الوحي ويفهمه ، أَي : إِنَّ الوحي نور وحقائق ـ كما ورد ذلك في بيان قوله تعالى : [وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ](2) ـ والعين الَّتي يُبصر بها ذلك النور وتلك الحقائق هو العقل. نظيره : أَوَّلاً : حُجِّيَّة خبر الواحد ؛ فإِنَّها طريق كاشف عن بيانات الوحي . ثانياً : حُجِّيَّة العقل وحُجِّيَّة الحقيقة الخارجيَّة ، فلا هو يُغني عنها ، ولا هي تُغني عنه ، بل لابُدَّ من كليهما. ثالثاً : ما ورد في بيانات القرآن الكريم من توجيه بعض الْخِطَابَات الْإِلَهِيَّة الغامضة والرَّمزيَّة والسِّرِّيَّة لخصوص أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، وعُلِّلَ ذلك في بياناتهم عَلَيْهم السَّلاَمُ : « إِنَّما يعرف القرآن ويعلم به مَنْ خُوطِب به » ، مع أَنَّ في جملة من موارده المُخَاطَب بها عموم الناس أَو المؤمنين . وجوابه : أَنَّ الْخِطَابَات الْإِلَهِيَّة إِذا كانت أَساسيَّة ورئيسيَّة ورمزيَّة فلا يُدرِكُها ولا يعيها ولا يعلمها إلَّا مَنْ خُوطِب بها وهم أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، أَمَّا عامَّة النَّاس فلهم موارد وخِطَابَات عامَّة أُخرى يُخَاطَبون بها ويدركونها. إِذنْ : خِطَابَات الوحي مُتنوِّعة فبعضها فوقِيَّة وأَساسيَّة وخطيرة ، وهذه لا يُدرِكُها إلَّا أَهلها ، وبعضها الآخر عامَّة لكلِّ البشر. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ ـ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أصول الكافي ، 1/ كتاب العقل والجهل : 26/ح26. (2) الأعراف : 157