/ الفَائِدَةُ : (165) /
22/12/2025
بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. / إِحْدَاثُ الْعِلْمِ والمعلومةِ الحقَّةِ لأَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ/ إِنَّ دور أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ـ سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ والعترة الطَّاهرة صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم ـ كمُعلِّمين إِلٰهيِّين في إِحْدَاث الْعِلْمِ بالوحي لدىٰ الطَّرف ـ الوارد والمؤكَّد عليه(1) في بيانات الوحي الوافرة ، منها : 1ـ بيان قوله تعالىٰ : [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ](2). 2ـ بيان قوله (جَلَّ قُدْسه) : [بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ](3). 3ـ بيان سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : « ... ثُمَّ خلق الأَشياء من نوري ونور عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، ثُمَّ جعلنا عن يمين العرش فَسَبَّحْنا فَسَبَّحَت الملائكة ، فَهَلَّلْنا فَهَلَّلُوا ، وَكَبَّرْنا فَكَبَّرُوا ، فكُلّ مَنْ سَبَّحَ الله وَكَبَّرَهُ فإِنَّ ذلك من تعليم عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ »(4) . 4ـ بيان الإِمام الباقر صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « ... نحن ... مصابيح الْعِلْمِ ... وموضع سرّ الله ، ووديعة الله جلَّ اسمه في عباده ... نحن الأَسماء الحُسنىٰ ... جعلنا لسانه النَّاطق في خلقه ... ووجهه الَّذي يؤتىٰ منه ، وبابه الَّذي يدلُّ عليه ، وخُزَّان علمه ، وتراجمة وحيه وأَعلام دينه ... ولولانا ما عُرِفَ الله ... » (5). 5ـ بيان الإِمام الصَّادق صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « ... نحن حُجَّة اللّٰـه في عباده ... وأُمناؤه على وحيه ، وخزَّانه على عِلْمِه ، ووجهه الَّذي يؤتىٰ منه ... ولسانه النَّاطق ، وبابـه الَّذي يدلُّ عليه ، نحن العالـمون بأمره ، والدَّاعون إِلى سبيله ، بنا عُرِفَ اللّٰـه ، وبنا عُبِدَ الله ، نحن الأَدِلَّاءُ علىٰ اللّٰـه ، ولولانا ما عُبِدَ اللّٰـه »(6) ـ (7) لا يقلّ أَهميَّة عن كونهم أَولياء إِلٰهيِّين. بعد الْاِلْتِفَات : أَنَّ جملة المخلوقات في طُرِّ العوالم تلتجئ لأَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في باب الْعِلْمِ والتَّعَلُّم بِغَضِّ النَّظَر عن كونهم أَولياء(8)، بل إِنَّ أَجْلَىٰ مظاهر تولِّي ولايتهم صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم لا يَتِمُّ إِلَّا مِنْ خلال أَخذ الْعِلْمِ عنهم صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم. فانظر : بيانات الوحي ، منها : 1ـ إِطلاق بيان أَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ في وَصِيَّته لِكُمَيْل بن زياد : « يا كميل بن زياد ... مَا مِنْ عِلْمٍ إِلَّا وأَنا أفتحه ... يا كميل ، لا تأخذ إِلَّا عنَّا تَكُنْ مِنَّا ، ياكميل ، مَا مِنْ حركة إِلَّا وَأَنْتَ محتاج فيها إِلى معرفة ... يا كميل ، إِنَّما المؤمن مَنْ قال بقولنا ، فَمَنْ تَخَلَّفَ عَنَّا قصر عنَّا ، وَمَنْ قصر عنَّا لم يلحق بنا ، وَمَنْ لم يكن معنا ففي الدَّرك الأَسفل من النَّار... »(9). 2ـ إِطلاق بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً : « ... آل مُـحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ... مَنْ عرفهم وأَخَذ منهم فهو منهم ، وإِليه الإِشارة بقوله : [فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي](10) .... » (11). 3ـ إِطلاق بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً : « ... إِنَّ الشَّاكَّ في أُمورنا وَعُلُوْمِنا كالمُسْتَهْزِئ في معرفتنا وحقوقنا ... »(12). / ضحالة منهج : (حصر طريق المعرفة بالظَّنِّ التَّعَبُّدِي) / ومن كُلِّ هذا يتَّضح : غرابة حصر منهج وطريق المعرفة بالظَّنِّ التَّعَبُّديّ ؛ فإِنَّ الظَّنَّ التَّعَبُّديّ النَّقلي(13) ، بل التَّوَاتُر واليقين النَّقلي لا يزيد عن إِيجاد الْعِلْمِ واليقين الحسِّي ، ولا يرتقي إلى الْعِلْمِ واليقين العقلي(14) فضلاً عن ما فوقه من الْعِلْمِ واليقين الوحياني . نعم ، لا غنىٰ عن الْعِلْمِ النَّقلي ـ كما تقدَّم ـ بل لا مجال لإِنكار ضرورته ؛ لأنَّه مُقَدِّمة لليقين العقلي الواسع بسعة أُفق الوحي(15)، ومِنْ ثَمَّ لا بُدَّ من الابتداء بالْعِلْمِ النَّقلي ؛ لتحصيل اليقين الوحياني ، لكن : الْعِلْم النَّقلي ـ وهو منهج المبتدئين ـ لا يُقتصر عليه ، بل لا بُدَّ من العروج في بحور معاني بيانات الوحي غير المتناهية ، والتَّدَبُّر العقلي في مضامين النُّقول ومتونها. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) المرجع الضمير: (دور الـمُعَلِّم الإِلٰهي). (2) الجمعة: 2. (3) العنكبوت: 49. (4) بحار الأَنوار، 25: 24/ح42. مضمون هذا البيان الوحياني الشَّريف نفس مضمون بيانه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَيضاً : « أَنَا مدينة الْعِلْمِ وَعَلِيّ بابها ... » بحار الأَنوار، 10 : 120. وهذا بيان دينيٌّ معرفيٌّ عقائديٌّ شامل ـ كالدِّين والمعارف والعقائد الإِلٰهيَّة ـ لطُرِّ العوالم وجملة المخلوقات غير المتناهية . (5) بحار الأنوار ، 25: 4ـ5/ح7. المحتضر: 129. (6) بحار الأَنوار، 26: 260/ح38. توحيد الصدوق: 141. (7) هذه الشَّارطة عدل لسابقتها المجعولة قبل كلمة : (الواردة) ، فتكون العبارة كالتَّالي : « إِنَّ دور أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ... كمعلِّمين إِلٰهيِّين في إِحداث الْعِلْمِ بالوحي لدىٰ الطَّرف لا يقلُّ أَهميَّة عن كونهم أَولياء إِلٰهيِّين ». (8) يَجْدُرُ صَرْفِ النَّظَرِ في المقام إِلى الأُمور التَّالية : الأَمر الأَوَّل : / عِلْم الكلام لم يكن حربة وقلعة مُهِمَّة للدفاع عن المنهج الحقّ / إِنَّ الطَّرح الكلامي لمباحث ومقامات الوصايا والإِمامة الإِلهيَّة لأَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في عِلْمِ الكلام أَدنى مستوى من الطَّرح الفلسفي والعرفاني ؛ فإِنَّه يتناول وصايتهم (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم) وإِمامتهم الإِلهيَّة وينتهي إِلى أَنَّهم بشرٌ عاديون ، نعم ، مفترضو الطَّاعة ، ومُسدَّدون من اللّـه تبارك وتعالىٰ ، ومعهم ملائكة يُسدِّدُوْنَهُم ويُوَجِّهُونَهُم ، ويفتحون (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم) أَوراقاً وصحفاً ورثوها عن سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ، ويقرؤنها ويتعلَّمون منها. وقد غفل البحث الكلامي عن علومهم (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم) ومعارفهم الرُّوحيَّة والنًّوريَّة والملكوتيَّة الإِلٰهيَّة ، وانشغلوا بهذا المستوىٰ والطرح الهابط والبحث القشري ، ولم يلتفتوا لواقع البحث وخطورته . بل البحث الفلسفي والعرفاني لأَتباع مدرسة أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كان أَرقىٰ من هذا الطَّرح الكلامي ، لكنَّه لم يرتقِ لواقع بحث الوصايا والإِمامة الإِلٰهيَّة الوارد في بيانات الوحي القطعيَّة ، وتاهت أَبحاثهم عن بلورة وهندسة ما ورد في تلك البيانات الوحيانيَّة ؛ فإِنَّهم قالوا : إِنَّ الوصايا والإِمامة الإِلٰهيَّة عصمة روحيَّة ونور ملكوتي ، لكنَّه لا زال دون واقع البحث الَّذي ترسمه بيانات الوحي . وهذه قضيَّة واضحة ، بل هذه الأَبحاث مُولِّدة لانطباعات عن مقام الوصايا والإِمامة الإِلٰهيَّة كانطباعات جمهور العامَّة عنهما. وهذا ليس سبّاً وَحَطّاً من مقام أُولئك ، ولا ذماً لعِلْمِ الكلام ، وإِنَّما بيان واقع ؛ وَأَنَّ عِلْم الكلام لم يكن حربة وقلعة مُهمَّة من حراب وقلاع الدفاع عن المنهج الحقّ ؛ نهج أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، بل لا بُدَّ أَنْ يبقىٰ ـ عِلْم الكلام ـ حيّاً ومتنامياً ومُتطوِّراً ، ومع هذا لا يُحبس واقع المعارف بما توصَّل إِليه ، بل وما توصَّل إِليه علم الفلسفة والعرفان ؛ لكون الجميع قراءة ونتاج بشريّ محدود بمحدودية قوىٰ وإِمكانيَّات البشر ، والوقوف على تلك القراءات وذلك النتاج تحجير للعقول وإِماتة للحقائق ، بخلاف نتاج الوحي ؛ فإِنَّه نظام لا يختل ولا يتبدَّل ولا يختلف ولا يتخلَّف أَبداً ، حاوي على قوالب وعلوم ومعلومات ومعارف ومعاني وحقائق غير متناهية أَبد الآباد ودهر الدُّهور ، وَمَنْ أَتاه عرف من أَين تؤكل الكتف ، ووجد أَنَّ كُلَّ الصيد في جوف الفرآء ، بل من تقدَّمه غرق في بحر الإِفراط ، وَمَنْ تأَخَّر عنه زهق في برِّ التفريط ، وينتشل من يتمسَّك به من الظُّلمات والغواشي ، ويُخرجه من الحُجُب الظلمانيَّة ، ويُقِرَّ به في عَالَم النُّور والبهاء والسرور والحبور ، وهذا ما تُشِير إليه بيانات الوحي ، منها : 1ـ بیان قوله (عَزَّ مِنْ قَائِل) : [قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا] [الكهف: 109]. 2ـ بیان قوله (جَلَّ قوله) : [وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ] [لقمان: 27]. 3ـ بیان قوله (عَزَّ قوله) : [مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ] [النحل: 96] . ودلالتها واضحة. بل بيانات الوحي حاوية وشاملة لجملة العلوم والمعارف والحقائق غير المتناهية ، ولا يشذُّ عنها شيئاً أَبداً. فانظر : بیان قوله (جَلَّ شَأْنُهُ) : [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] [النحل : 89]. وهذه ضابطة وحيانيَّة عامَّة ، جامعة مانعة. وعليه : فينبغي للمخلوق أَنْ لا يتوهَّم بوقوف معارف بيانات الوحي وعلومها ومعانيها وحقائقها عند حدٍّ مُعَيَّنٍ ، وإِلَّا ارتطم بالتَّقصير الجارِّ إِلى الغلو ، على وفق القاعدة : « أَنَّ في كُلِّ تقصيرٍ غلوّاً ، وفي كُلِّ غلوٍّ تقصيراً » ، فتدبَّر ؛ فإِنَّهما وجهان لعملةٍ وحقيقةٍ واحدةٍ ، وخطورة أَحدهما عين خطورة الآخر ، والنَّجاة في سلوك المنزلة الوسطىٰ (الأَمر بين الأَمرين) ، جادَّة أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، الَّتي لا تُخرج إِلى عوج ، ولا تُزيل عن منهج الحقِّ ، نعم هي دقيقة الوزن ، حادَّة اللسان ، صعبة التَّرَقِّي إِلَّا على الحاذق اللَّبيب . وهذا ما تُشِير إِليه بيانات الوحي ، منها : بيان زيارة أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الجامعة : « ... فالرَّاغب عنكم مارق ، واللازم لكم لاحق ، والمُقَصِّر في حقِّكم زاهق ، والحقُّ معكم وفيكم ومنكم وإِليكم ، وأَنتم أَهله ومعدنه ... ». بحار الأَنوار، 99: 129. ودلالته واضحة . لكن يحتاج السَّائر على نهج أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إِلى سيرٍ مُبرهنٍ وموزونٍ بالضَّوابط والقواعد العلميَّة والمعرفيَّة الوحيانيَّة والعقليَّة . وإِلى هذا تُشِير بيانات الوحي ، منها : بيان سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ في وصيَّته لأَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : «... يا عَلِيّ ، إِنَّ هذا الدِّين متين فأَوغل فيه برفق ... ». بحار الأَنوار، 68: 213 ـ 214/ح8. الكافي، 2: 87. وعصارة القول : يحتاج مَنْ يبغي اِبصار الحقيقة إِلى الغوص والغور في بطون بحور علوم ومعارف الوحي غير المتناهية ؛ على وفق الموازين الْعِلْمِيَّة والْمَعْرِفِيَّة ؛ الوَحيَانِيَّة والْعَقَلِيَّة ، وإِلَّا لارتطم بالخبط والخلط ، والوقوع في الزيغ والضَّلال والإِنحراف . والوقوف والجمود على استنتاجات البشر في علم الكلام والفلسفة والعرفان وغيرها للوصول إِلى الحقيقة من دون الاتِّكاء على بيانات الوحي حوالة على مُفلِّس ، وكمَن يتعلَّق بنسيج العنكبوت للعروج إِلى أَسباب السَّماوات ، بل تُسبِّب له الوقوع في الهلكة . والحقُّ يكمن في استخراج ثوابت بيانات الوحي والسير على وفقها. الأَمر الثَّاني : / التَّرابط في إِدارة الأَرض والملكوت / / آدم عَلَيْهِ السَّلاَمُ خليفة بالوكالة عن أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ/ إِنَّ ما ورد في بيانات الوحي ، منها : 1ـ بيان قوله تعالىٰ : [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ* وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ] [البقرة: 30 ـ 34]. 2ـ بیان سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ مُخاطباً أَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « ... يا عَلِيّ ، إِنَّ الله تبارك وتعالىٰ فَضَّلَ أَنبياءه المرسلين على ملائكته المُقرَّبين ، وفضَّلني على جميع النَّبِيِّين والمرسلين ، والفضل بعدي لك يا عَلِيّ وللأَئِمَّة من بعدكَ ، وإِنَّ الملائكة لخدَّامنا ... لأَنَّ أَوَّل ما خلق الله (عَزَّ وَجَلَّ) : خلق أَرواحنا ، فأَنطقنا بتوحيده وتحميده ثُمَّ خلق الملائكة فَلَمَّا شاهدوا أَرواحنا نوراً واحداً استعظموا أَمرنا فسبَّحنا ؛ لتعلم الملائكة أَنَّا خلق مخلوقون ، وَأَنَّه مُنَزَّه عن صفاتنا ، فسبَّحت الملائكة بتسبيحنا ونزَّهته عن صفاتنا ... فبنا اهتدوا إِلى معرفة توحيد الله وتسبيحه وتهليله وتحميده وتمجيده . ثُمَّ إِنَّ الله تبارك وتعالىٰ خلق آدم فأودعنا صلبه وأَمر الملائكة بالسجود له تعظيماً لنا وإِكراماً ، وكان سجودهم للّٰـه (عَزَّ وَجَلَّ) عبوديَّة ، ولآدم إِكراماً وطاعةً لكوننا في صلبه ... وقد سجدوا لآدم كُلَّهم أَجمعون ... ». بحار الأَنوار، 18: 345ـ 347/ح56. علل الشرائع: 13ـ 14. عيون أَخبار الرِّضاعَلَيْهِ السَّلاَمُ : 144ـ 146. براهينٌ وحيانيَّةٌ دالَّةٌ ـ بقرينة سجود الملائكة وما شاكله ـ على أَنَّه لا يصلح مَنْ يُدير الأَرض إِلَّا أَنْ يكون هو المدير للملكوت. ودالَّةٌ أَيضاً على أَنَّ خليفة الله (عَزَّ وَجَلَّ) العادل في الأَرض ليس آدم عَلَيْهِ السَّلاَمُ ؛ فإِنَّه خليفة بالوكالة ، بل قادة إِلٰهيُّون أَرفع مقامات وأَخطر أَحوالاً وشؤوناً ومسؤوليَّات إِلٰهيَّة ، وهم أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، المُشار إِليهم في عديد من بيانات الوحي ، منها : آية المودَّة ـ الشورىٰ : ٢٣ ـ وآية الفيء ـ الحشر: 7 ـ . ومنه تتَّضح : نُكْتَةُ ربط الأَحكام الإِلٰهيَّة في النَّشْأَة الأَرضيَّة بمنظومة ملائكة ومخلوقات السَّماوات والأَرضين والآخرة الأَبديَّة وما بعدها من عوالم غير متناهية . وهذا هو معنىٰ أَنَّ هناك نُظم في ولاية أَمير المؤمنين وولاية فاطمة الزهراء وسائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في جملة عوالم الخلقة ، ومن ثَمَّ جعلت يَدُ سَاحَةِ الْقُدْسِ الْإِلَهِيَّةِ إِدارتها بأَيديهم بعد سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ . وهذا منطقٌ وحيانيٌّ (9) بحار الأَنوار، 24: 216 ـ 217/ح1. (10) إبراهيم: 36. (11) بحار الأَنوار، 25: 173/ح38. (12) المصدر نفسه، 26: 221 ـ 222/ح47. (13) ينبغي الاِلتفات: أَنَّه وقع الخلاف في الأَخذ بالخبر المُعتبر شرعاً، المورث للإِعتقاد الظَّنِّي في أَبواب العقائد؛ فذهب الكمباني والسيِّد الخوئي في تنبيهات حُجِّيَّة الخبر من مباحث علم الأُصول إِلى الإِلتزام به في تفاصيل العقائد دون أَركانها وأَساسيَّاتها، بل التزم بهذا القول كثير من الأُصوليِّين، كـ: صاحب الكفاية الخرساني والعراقي، وذهب آخر كالشَّيخ الأَنصاري إِلى العدم. (14) يجدر صرف النظر في المقام إِلى التَّنبيهات التَّالية: الأَوَّل: أَنَّ اليقين على مراتب ودرجات، منها: يقينٌ وحيانيٌّ، ويقينٌ عقليٌّ، ويقينٌ وهميٌّ، ويقينٌ خياليٌّ، ويقينٌ حسيٌّ. وكُلُّ واحدٍ منها على مراتب ودرجات أَيضاً. مثاله: اليقين العقلي، فإِنَّه على مراتب ودرجات، منها: يقينٌ بديهيٌّ، ويقينٌ مُتاخم لليقين البديهي، ويقينٌ نظريٌّ، ويقينٌ مُتوغِّل في النَّظريَّة. الثَّاني: أَنَّ في الحسِّ والخيال والوهم والفكر والعقل مناطق بديهيَّة ومناطق مُبهمة، وكُلُّ من البديهيَّات والنظريَّات والمبهمات والمجهولات على درجات، فيغوص في الإِبهام أَكثر فأَكثر حتَّى يتلاشىٰ العلم وينتهي. ففي الحسِّ ـ مثلاً ـ هناك منطقة بديهيَّة وهناك منطقة نظريَّة ومبهمة ومجملة ومجهولة؛ فعندما يبتعد الحسّ عن المحسوس يصبح مبهماً: حسّاً وصوتاً وشمّاً وفهماً. الثَّالث: أَنَّ الثَّابت باتِّفاق أَصحاب العلوم والمدارس العقليَّة والمعرفيَّة: أَنَّ اليقين العقلي المُبدَّة أَو القريب منه ـ وليس اليقين النَّظري ـ أَعلىٰ يقيناً بمراتب من اليقين الحاصل من التواتر الحسيِّ؛ لكون العين العقليَّة وقدراتها تفوق بأَضعاف المراتب العين الحسيَّة وقدراتها، ومن ثَمَّ تنفذ رؤية العقل إِلى آفاق ليس بمقدور ومكنة رؤية الحسِّ الوصول إِليها. هذا بالنِّسبة إِلى الرؤية العقليَّة فكيف بالرؤية الوحيانيَّة؛ والَّتي هي عين عرشيَّة فوق العين المُسلَّحة بما لا يتناهىٰ. وبالجملة: اليقين الوحياني فوق اليقين العقلي، واليقين العقلي فوق اليقين والتواتر الحسي. وهذه خارطة لبعض طبقات اليقين. (15) ينبغي الِالتفات: أَنَّ العقل البشري وإِنْ كان محدود القدرة بالفعل، لكنَّه ليس بمحدودٍ بالقوَّة والتَّدريج.