/ الفَائِدَةُ : ( 2 ) /

05/01/2026



بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. / أَمِير الْمُؤْمِنِين باب مدينة الْعِلْم والحكمة والفقه لجملة العوالم والمخلوقات/ إِنَّ ما ورد في بيانات الوحي ، منها : 1ـ بيان سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : « أَنَا مدينة الْعِلْم وَعَلِيّ بابها ، وقد أَوجب اللّٰـه على خلقه الاستكانة لِعَلِيّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بقوله : [ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ] (1)»(2). 2ـ بيانه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَيضاً : « أَنَا مدينة الْعِلْم وَعَلِيّ بابها ، وَلَنْ يدخل المدينة إِلَّا من بابها ...»(3). 3ـ بيانه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَيضاً : « أَنَا مدينة الْعِلْم وَعَلِيّ بابها ، فَمَنْ أَراد الْعِلْم فليأتِ الباب»(4). 4ـ بيانه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَيضاً : « أَنَا مدينة الْعِلْم وَعَلِيّ بابها ، فَمَنْ أَرَادَ الْعِلْم فليقتبسه مِنْ عَلِيٍّ»(5). 5ـ بيانه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَيضاً : « يا عَلِيّ ، أَنَا مدينة الحكمة وَأَنت بابها ، وَلَنْ تُؤْتَىٰ المدينة إِلَّا مِنْ قِبَلِ الباب ...»(6). 6ـ بيانه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَيضاً : « أَنَا مدينة الْعِلْم وَعَلِيّ بابها ، فَمَنْ أَراد الحكمة فليأتها من بابها ، وَأَنتم جميعاً مصطرخون فيما أُشكل عليكم من أُمور دينكم إِليه ، وهو مستغن عن كُلِّ أَحَدٍ منكم ؛ إِلى ماله من السَّوابق الَّتي ليست لأَفضلكم عند نفسه ...»(7). 7ـ بيانه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَيضاً : « ... يَا عَلِيّ ، أَنا مدينة الحكمة وَأَنْتَ بابها ، فَمَنْ أَتَىٰ المدينة من الباب وصل ، يا عَلِيّ أَنتَ بابي الَّذي أُوتىٰ منه ، وَأَنا باب اللّٰـه ، فَمَنْ أَتاني من سواك لم يصل ، ومَنْ أَتىٰ سواي لم يصل ...»(8). 8 ـ بيانه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَيضاً : « أَنا مدينة الفقه وَعَلِيّ بابها»(9). براهينٌ وحيانيَّةٌ دالَّةٌ على أَنَّ أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَـمَّا كانت طبقات حقائقهم الصَّاعدة وتتبعها طبقاتها الْمُتَوَسِّطَة والنَّازلة هي : نظام عَالَم الوجود على الإِطلاق ـ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه ـ ، ووسائط الفيض الإِلٰهيّ في قوس النزول ، والوسيلة الإِلٰهيَّة الحصريَّة في قوس الصعود والنزول ، وجنب اللّٰـه ووجهه (جلَّ شأنه) ؛ والسَّبيل والسَّبب والباب والحجاب والرِّباط الإِلٰهيّ الفارد والأَدنىٰ في قوس الصعود والنزول بين الخالق ـ المُسَمَّىٰ ـ (جَلَّ وَعَلَا) وكافَّة العوالم وسائر المخلوقات غير المتناهية بقضِّها وقضيضها على الإِطلاق قاطبة ؛ فلا ينزل فيضٍ ـ كالْعِلْم والحكمة والفقه ـ من سَاحَةِ الْقُدْسِ الْإِلَهِيَّةِ ولو كان بمقدار مثقال ذرَّةٍ إِلَّا عن سبيلها ، وحيث إِنَّ طبقات حقيقة سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ الصَّاعدة وتتبعها طبقاتها الْمُتَوَسِّطَة والنَّازلة مُتقدِّمة على سائر طبقات حقائق سائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ نابها الأَكبر وسنامها الأَطول ، وهامتها الأَعظم ، ورأس هرمها ، والأَلصق بالذَّات الإِلٰهيَّة الأَزليَّة المُقدَّسة على الإِطلاق ، أبد الآباد ودهر الدُّهور كانت طبقات حقيقته صلى الله عليه واله : الظهور والتَّجلِّي الأَعظم على الإِطلاق لحقيقة عِلْم الذَّات الإِلٰهيَّة المُقدَّسة وحكمته وفقهه (جَلَّ قُدْسه) ، فصارت ذاته وحقيقته صلى الله عليه واله مدينة الوحي والْعِلْم والفقه الإِلٰهيّ ، والحكمة الإِلٰهيَّة ، ونظام لا يختل ولا يتبدَّل ولا يتخلَّف ولا يختلف أَبداً ، وبحور زاخرة لا تنزف ، وكنوز لا تفند ، وجبال شامخة لا تقهر ، الكالّ عن نعتها أَفهام النَّاعتين ، والعاجز عن وصفها لسان الواصفين . وحيث إِنَّ طبقات حقيقة أَمِير الْمُؤْمِنِين صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ التَّالية والأَلصق بها على الإِطلاق كان كُلُّ ما يرد من خيرٍ ووحيٍ إِلٰهيٍّ ، وعلومٍ وحِكَمٍ إِلٰهيَّةٍ وفقهٍ إِلٰهيٍّ لجملة العوالم ولطُرِّ المخلوقات ، وعبر كافَّة النَّشَآت ؛ من بداية الْخِلْقَة وعبر سالف الأَزمان وغابر الدُّهور إِلى أَبد الآباد ودهر الدهور ما دام للّٰـه حاجة في خلقه لا يكون إِلَّا عن طريق باب فارد أَوحد : طبقات حقيقة أَمِير الْمُؤْمِنِين صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ليس إِلَّا ، مفاتيح أَبواب الكرم ، ومجاديع هواطل النعم ، مَنْ أَتاها عرف من أَين تؤكل الكتف ، ومَنْ تخلَّفَ عنها كَمَنْ يتعلَّق بنسيج العنكبوت للعروج إِلى أَسباب السَّماوات!! وهذا ما تُشِير إِلَيْه بيانات الوحي الْمَعْرِفِيَّة ، منها : بيان سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : « لو يعلم النَّاس متىٰ سُمِّيَ عَلِيّ أَمير المؤمنين لَـمَا أَنكروا فضائله ، سُمِّيَ بذلك وآدم بين الرُّوح والجسد ، وحين قال اللّٰـه : [ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ](10)فقال اللّٰـه تعالىٰ : أَنَا رَبّكم ، وَمحمَّد نَبِيُّكم ، وَعَلِيّ أَميركم»(11) . منضمّاً إِليه بيان أَبي جعفر صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، عن عبد المؤمن الأَنصاري ، قال : « قلتُ له : لِمَ سُمِّيَ أَمِير الْمُؤْمِنِين صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمِير الْمُؤْمِنِين ؟ قال: لأَنَّ ميرة المؤمنين منه ، وهو كان يميرهم الْعِلْم »(12). وبيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً ، عن جابر ، قال : «قلتُ : جُعِلْتُ فداك ، لِمَ سُمِّيَ أَمِير الْمُؤْمِنِين أَمِير الْمُؤْمِنِين؟ قال : لأَنَّه يميرُهم الْعِلْمَ ، أَمَا سمعتَ كتاب اللّٰـه (عَزَّ وَجَلَّ) : [ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا ] (13)»(14). فإِنَّ البيان الأَوَّل دالٌّ على أَنَّ أَمِير الْمُؤْمِنِين صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ تمتَّع بهذا المقام الإِلٰهيّ وهو في عَالَم الذَّرِّ والميثاق ، والبيان الثَّاني والثَّالث دالَّان على أَنَّ دور هذا المقام والهبة الْإِلَهِيَّةِ عِلَّة فاعليَّة لإِمارة الْعِلْم وإِفاضته وتزويد المخلوقات به ، وحيث إِنَّ المقام والهبة الإِلٰهيَّة أَمر تكوينيّ يُفعَّل لدىٰ المخلوق من حين تمتُّعه به كان أَمِير الْمُؤْمِنِين صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ هو العِلَّة الفاعليَّة لإِمارة المخلوقات وتزويدها بالْعِلْم والمعرفة في العوالم السَّابقة ، كـ : عَالَم : الذَّرِّ والميثاق ، والبرزخ النَّازل ، والأَصلاب ، والأَرحام. ويُشير إِلى هذه القضيَّة في عَالَم الأَصلاب بيانه (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) : «... وأَنا الخضر عَالم موسىٰ ، وأَنَا مُعَلِّم سليمان بن داود ...»(15). وحيثُ أُوتِيَ بصيغةِ الفعلِ المضارعِ (يمير) ـ الدَّالَّة على الاستمرارِ والتجددِ التأبيديِّ ـ دلَّ ذلكَ على استمرارِ هذا العطاءِ والإفاضةِ إلى ما لا نهايةَ لهُ ما دامَ للهِ حاجةٌ في خلقِه . /جملة علوم طُرّ المخلوقات وفي كافَّة العوالم لا تكون إِلاَّ بأَمِير الْمُؤْمِنِين / وممَّا تقدَّم يتَّضح : الْجَمُّ الْغَفِيرُ من بيانات الوحي ، منها : أَوَّلاً : بيان أَمِير الْمُؤْمِنِين صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، مخاطباً كميل بن زياد : « يا كميل ، ما مِنْ عِلْمٍ إِلَّا وأَنا أفتحه ...»(16). ثانياً : بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً : «عِلْم ما كان وما يكون كُلّه في القرآن الكريم ، وعِلْم القرآن كُلّه في سورة الفاتحة ، وعِلْم الفاتحة كُلّه في البسملة منها ، وعِلْم البسملة كلّها في بائها ، وأَنَا النقطة تحت الباء»(17). ثالثاً : بيان الإِمام الباقر صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « ... ليس أَحَد عنده عِلْم شيءٍ إِلَّا خرج من عند أَمِير الْمُؤْمِنِين عَلَيْهِ السَّلاَمُ ؛ فليذهب النَّاس حيث شاءوا ، فواللّٰـه ليأتين الأَمر هٰهنا. وَأَشار بيده إلى صدره»(18). رابعاً : بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً : « أَمَا إِنَّه ليس عند أَحَدٍ عِلْم وَلَا حَقّ وَلَا فتيا إِلَّا شيء أُخذ عن عَلِيّ بن أَبِي طالب عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، وَعَنّا أَهْل الْبَيْتِ ، وما مِنْ قضاءٍ يُقْضَىٰ بِهِ بحقٍّ وصوابٍ إِلَّا بدء ذلك ومفتاحه وسببه وعِلْمه مِنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَمِنّا . فإِذا اختلف عليهم أَمرهم قاسوا وعملوا بالرأي ، وكان الخطأ مِنْ قِبَلهم إِذا قاسوا ، وكان الصَّواب إِذا اتَّبعوا الآثار من قِبَلِ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ »(19). خامساً : بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً : « كُلُّ ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل»(20). سادساً : بيان الإِمام الصَّادق صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « ... أعلم ما في المشرق والمغرب ، وَمَا في السَّماوات والأَرض ، وَمَا في البرِّ والبحر وعدد ما فيهنَّ ، وليس ذلك لإِبليس وَلَا لملك الموت»(21). سابعاً : بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً : «... فكُلُّ عِلْمٍ خرج إِلى أَهل السَّماوات والأَرض فمنَّا وعنَّا ...»(22). ودلالتها قد اِتَّضحت أَيضاً ، فإِنَّها ـ إِضافة إِلى إِطلاقها ، وما تقدَّم بيانه ـ دالَّة بقرينة ما تقدَّم أَنَّه لا يوجد علمٌ ولا حقٌّ ولا فتيا ولا صوابٌ من بداية الْخِلْقَة إِلى ما نهاية ، لدىٰ كُلّ العوالم وجميع المخلوقات غير المتناهية إِلَّا وكان أَمير المؤمنين وسائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ هم العلل الفاعليَّة لها ؛ لكون طبقات حقائقهم صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الصَّاعدة هي الصِّفات والأَسمآء الإِلٰهيَّة ، كـ : الاسم الإِلٰهيّ : (الوهاب ، والعليم ، والهادي ، والمغني ، والنَّافع ، والنُّور ، والوارث ، والرشيد) ، ووسائط الفيض الإِلٰهيَّة ، والعلل التَّكوينيَّة الفاعليَّة الإِلٰهيَّة ، والأَسباب الإِلٰهيَّة التَّكوينيَّة ، يُفاض من خلالها كُلّ خيرٍ وعِلْمٍ وحكمةٍ وحقٍّ وفتيا وصوابٍ ؛ على طُرِّ العوالم وجملة المخلوقات من بداية الخلقة والوجود إِلى ما لا نهاية ، في هذه النَّشْأة وفي سائر النَّشَآت. ومنه يتَّضح : بيان أَمِير الْمُؤْمِنِين صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « أَنا النقطة التي هي تحت الباء» ( 23)، أَي : (باء الإِستعانة) ؛ فعِلْم ما كان وما يكون كلّه موجود في القرآن الكريم ، وعِلْم القرآن كلّه في سورة الفاتحة ، وعِلْم الفاتحة كلّه في البسملة منها ، وعِلْم البسملة كُلّه في بائها ، وأَمير المؤمنين هو : (باء الإِستعانة) ، أَي : أَنَّه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ هو : النقطة والمحور والوسيلة والباب الَّذي لا يمكن لأَحدٍ قَطُّ ـ سواء كان نبيّاً مرسلاً أَم ملكاً مُقرَّباً أَم مؤمناً ممتحناً ـ في جملة العوالم والنَّشَآت إِحتواء خيرٍ ووحيٍّ وعِلْمٍ وحكمةٍ وحقٍّ وفتيا حقَّةٍ وصوابٍ وهلمَّ جرّاً إِلَّا بعد التَّوسُّل والتَّشَبُّت والإِستعانة بطبقات حقيقته ؛ وطبقات حقائق سائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، وإِلَّا فشطط كلام وشطح مقال ، شعر المخلوق بذلك أَم لا. / وحي القرآن لا يكون إِلاَّ من طبقات حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ/ ومنه يتَّضح : أَنَّ ما يأتي به جبرئيل عَلَيْهِ السَّلاَمُ من وحي لا يكون إِلَّا بتوسُّط طبقات حقيقة سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ الْمُتَوَسِّطَة ؛ لأَنَّها المنبع ، وبتوسط طبقات حقيقة أَمِير الْمُؤْمِنِين وسائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الْمُتَوَسِّطَة أَيضاً ؛ لأَنَّها باب ذلك المنبع المُقدَّس الكريم الشَّريف. بل الوحي الصَّاعدة ـ وحي (روح القدس) حقيقة القرآن الكريم الصَّاعدة ـ لا يكون منبعه إِلَّا الطَّبقات الصَّاعدة لذات حقيقة سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ، وباب إِفاضته ونزوله على مراتب طبقات ذات سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ الْمُتَوَسِّطَة لا يكون إِلَّا طبقات حقائق ذات أَمِير الْمُؤْمِنِين وسائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الصَّاعدة. بل وحي القرآن الكريم بطبقته الصَّاعدة ـ أَي : طبقة (روح القدس) و(الروح الأَمري) ـ فضلاً عن النَّازلة لا يكون إِلَّا شيء يسير وشعاع نازل من أَشعَّة نور وبحور وحي ذوات وحقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الطمطامة المُتلاطمة غيرالمتناهية أَبد الآباد ودهر الدُّهور. وهذا ما تُشير إِليه بيانات الوحي ، منها : بيان الإِمام الحسن العسكري صلوات اللّٰـه عليه : « قد صعدنا ذرىٰ(24) الحقائق بأَقدام النُّبُوَّة والولاية ، ونوَّرنا(25) سبع طبقات أَعلام الفتوىٰ بالهداية ، فنحن ... غيوث الندىٰ ... وروح القدس في جنان الصَّاقورة(26) ذاق من حدائقنا الباكورة ...»(27). فإِنَّ المراد من بيان قوله صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « وروح القدس » أَي : حقيقة القرآن الكريم الصَّاعدة ، والمُعبَّر عنها في بيانات الوحي الأُخرىٰ بـ : (الرُّوح الأَمري) ، وهو شُعْبَة من شُعَب أَرواح أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، وشريحة صغيرة من أَرواحهم المُقدَّسة ، ومرتبة هذه الرُّوح في السَّمآء الرَّابعة أَو الثَّالثة ـ على اختلاف التَّفاسير ـ ، موجودة في جنَّة أسمها : (الصَّاقورة) على وزن فاعولة ، مأخوذة من مادَّة الصغر ؛ هذا بالقياس إِلى جنان وحدائق وحي ومعارف حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الأُخرىٰ الصَّاعدة ، وفي هذه الجنَّة يأخذ روح القدس ـ أَي : حقيقة القرآن الكريم الصَّاعدة ـ وحيه ومعارفه من حدائق وبحور حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الطمطامة غيرالمتناهية ، لكن : كُلّ ذلك الوحي الشَّريف وتلك المعارف الإِلٰهيَّة المهولة والعظيمة والخطيرة جِدّاً الَّتي حوتها حقيقة القرآن الكريم الصَّاعدة لم تتعدَّ مقام الذوق ، أَي : شيء قليل جِدّاً بلحاظ ما تحويه طبقات حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الصَّاعدة من وحيّ غيرمتناهي ، وكميَّة الذوق ونوعيَّته كانت بمقدار الباكورة ، أَي : من ثمار بحور معارف ووحي حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ غيرالمتناهي ؛ لكن في بداية نضوجها ، وهذا دالٌّ على مدىٰ عظمت ما تحويه حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ من وحي ومعارف إِلٰهيَّة. إِذَنْ : حقيقة وحي ومعارف القرآن الكريم وإِنْ كانت بنفسها وبلحاظ ما تحتها غير متناهية وعظيمة ومهولة جِدّاً ، لكنَّها إِذا قيست إِلى ما فوقها ؛ أَي: إِلى حقائق وحي ومعارف أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الصَّاعدة كانت شعاعاً ضعيفاً ونازلاً من أَشعَّة نور وبحور وحيهم ومعارفهم وحقائقهم صلوات اللّٰـه عليهم الطمطامة المتلاطمة غيرالمتناهية أَبداً وأَزلاً. وهذه قاعدة عظيمة جِدّاً لفهم معضلات أَحوال وشؤون أَهل البيت صلوات اللّٰـه عليهم. فالتفت ، وتدبَّر جيِّداً ، واغتنم تربت يداك. وعليه : فوحي القرآن الكريم سوآء كان الوحي النَّازل عن طريق جبرئل عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، أَو الوحي الصَّاعدة عن طريق (روح القدس) ـ من سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ؛ لكونه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قمَّة الهرم ، إِلى سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ . فتدبَّر جيداً. وَهَذِهِ وَغَيْرُهَا نِكَاتٌ بِكْرٌ مَا فُضَّتْ مِنْ قَبْلُ قَطُّ ، خُذْهَا وَاعْتَنِمْ ، وَعَضَّ عَلَيْهَا بِضِرْسٍ قَاطِعٍ تَرِبَتْ يَدَاكَ. / أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مُعلِّمون إِلهيُّون لجملة الخلائق وفي كافَّة العوالم / وهكذا تتَّضح : بيانات الوحي الْمَعْرِفِيَّة الأُخرىٰ ، منها : أَوَّلاً : بيان سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : «... إِنَّ اللّٰـه تعالىٰ خلقني وخلق عليّاً عَلَيْهِ السَّلاَمُ قبل أَنْ يخلق آدم ... ثُمَّ خلق الملائكة فسبَّحنا وسبَّحَت الملائكة ، فهلَّلنا فهلَّلت الملائكة ، وكبَّرنا فكبَّرت الملائكة ، وكان ذلك بتعليمي وتعليم عَلِيّ ، وكان ذلك في علم اللّٰـه السَّابق : أَنَّ الملائكة تتعلَّم مِنَّا التَّسبيح والتَّهليل، وكلّ شيءٍ يُسَبِّح للّٰـه ويُكبِّره ويُهلِّله بتعليمي ، وتعليم عَلِيّ ...»(28). ثانياً : بيانه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَيضاً : «... إِنَّ اللّٰـه خلقني وعليّاً من نورٍ واحدٍ قبل خلق آدم ... ثُمَّ خلق الأَشياء من نوري ونور عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ... فَكُلّ مَنْ سَبَّحَ اللّٰـه وكبَّره فإنَّ ذلك من تعليم عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ »(29). ثالثاً : بيان الإِمام الصَّادق صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : «... لم نزل أَنواراً حول العرش نُسَبِّح فيُسَبِّح أَهل السَّمآء لتسبيحنا ، فَلَمَّا نزلنا إِلى الأَرض سَبَّحْنا فَسَبَّحَ أَهل الأَرض ، فَكُلُّ علمٍ خرج إِلى أَهل السَّماوات والأَرض فَمِنَّا وَعَنَّا ...»(30). ودلالتها قد اِتَّضحت أَيضاً ، فإِنَّ طبقات حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الصَّاعدة لَـمَّا كانت هي واسطة الفيض الإِلٰهيّ الفاردة ، وجنب اللّٰـه ووجهه الكريم ، والوسيلة الإِلٰهيَّة الوحيدة ، والسَّبيل والسَّبب والباب والحجاب والرباط الإِلٰهيّ الأَدنىٰ الحصري بين الخالق ـ المُسَمَّىٰ ـ (تبارك وتعالىٰ) و جملة العوالم وسائر المخلوقات ، فكلّ ما كان يصدر إِلى الملائكة وينزل عليها وعلى سائرالمخلوقات من ساحة القدس الإِلٰهيَّة مهول وخطير وعظيم كان ذلك الشيء النَّازل أَم كان بمقدار حبَّةٍ من خردلٍ ، لا يكون إِلَّا عن طريق حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، فيكونوا صلوات اللّٰـه عليهم بلحاظ العلم وسائرالمعارف الإِلٰهيَّة مُعلِّمين إِلٰهيِّين لكافَّة الملائكة وجملة سائرالمخلوقات ؛ في كل العوالم والنَّشَآت ، من بداية الخلقة إِلى مالا نهاية. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) البقرة : 58. (2) بحار الأَنوار ، 24 : 203. (3) المصدر نفسه ، 31 : 436. (4) المصدر نفسه ، 34/189. (5) المصدر نفسه ، 40 : 203/ح9. الإِرشاد ؛ للمفيد : 15. (6) بحار الأَنوار ، 23 : 126/ح53. أَمالي الصدوق : 162. إِكمال الدين : 140. (7) بحار الأَنوار ، 28 : 199/ح6. (8) المصدر نفسه ، 40 : 204. (9) تذكرة خواص الأَئمَّة : 29. اللآلي المصنوعة ، 1 : 329. طبعة بيروت. (10) الأعراف : 172. (11) بحار الأَنوار ، 26 : 278/ح20. (12) المصدر نفسه ، 37 : 295/ح11. بصائر الدرجات : 149. (13) يوسف : 65. لَا بَأْسَ بالْاِلْتِفَات : أَنَّ كلمة « يمير » ـ الواردة في بيان الآية الكريمة : {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} ـ مأخوذة من « الْمِيْرَة » وهي جلب الطعام والمؤونة ، واستخدامها مع « الْعِلْم » فيه استعارة لطيفة ؛ وتشبيه الْعِلْم بالغذاء الذي يحيي الأرواح والعقول كما يحيي الطعام الأبدان. (14) بحار الأَنوار ، 37 : 293/ح7. معاني الأَخبار : 63. علل الشرائع : 65. البرهان : 258. (15) بحار الأَنوار ، 26 : 5/ح1. (16) المصدر نفسه ، 74 : 266 ـ 277/ح1. بشارة المصطفىٰ : 29. (17) مشارق أَنوار اليقين : 25. (18) بحار الأَنوار ، 2 : 94/ح34. بصائر الدَّرجات ، 1 : 46/ح55. (19) بحار الأَنوار ، 2 : 95/ح36. (20) مختصر البصائر : 198/ح179 ـ 20. (21) بحار الأَنوار ، 63 : 275 ـ 276/ح163. دلائل الإِمامة : 125. (22) بحار الأَنوار ، 25 : 24/ح41. (23)ينابيع المودة ، 2: 195. تفسير البصائر،1/24. (24) الذُّرىٰ : جميع الذُّرْوَة ، وهو : العلو. والمكان المرتفع. وأَعلىٰ الشيء وقمَّته. (25) في نسخة : (ونوَّرنا سبع طبقات النُّبوَّة والهداية). وفي أُخرىٰ : (سبع طبقات أَعلام الفتوة والهداية). (26) في نسخة : (الصَّاغورة). (27) بحار الأَنوار ، 26 : 264 ـ 265/ح50. (28) المصدر نفسه : 345 ـ 346/ح18. إِرشاد القلوب : 215 ـ 216. (29) بحار الأَنوار ، 25 : 24/ح42. (30) المصدر نفسه / ح41