/ الفَائِدَةُ : (14) /

09/01/2026



بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ، وَصَلَّى اللّٰهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَىٰ أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . / بَيَانُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِ لِلِانْحِرَافَاتِ الْمَعْرِفِيَّةِ فِي مَعْرَكَةِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ وَالنَّهْرَوَانِ / مِنَ الأُمُورِ الْمُهِمَّةِ ، بَلِ اللَّازِمَةِ فِي الِاعْتِقَادِ بِالْمَوْقِعِيَّةِ الدِّينِيَّةِ : أَنَّ الْهِدَايَةَ لَا تَتِمُّ بِمُجَرَّدِ الِاعْتِقَادِ بِأَصْلِ الْحُجِّيَّةِ وَالِاصْطِفَاءِ الإِلٰهِيِّ مَا لَمْ يُضَمَّ إِلَيْهَا بَقِيَّةُ الْمَحَاوِرِ وَالْحَيْثِيَّاتِ الأَرْبَعِ ، وَإِلَّا ارْتَطَمَ الْمَخْلُوقُ بِالضَّلَالِ وَالزَّيْغِ وَالانْحِرَافِ ، وَهَذَا مَا بَيَّنَهُ وَخَطَّهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِ فِي مَعَارِكِهِ الثَّلَاثِ ـ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ وَالنَّهْرَوَانِ ـ ؛ فَإِنَّهَا تَشْتَرِكُ فِي شَيْءٍ ، وَهُوَ : ارْتِطَامُ الْمُعَسْكَرِ الْمُقَابِلِ ، بَلِ الأُمَّةِ بِالضَّلَالَاتِ وَالانْحِرَافَاتِ الْفِكْرِيَّةِ وَالْمَعْرِفِيَّةِ وَالْعَقَائِدِيَّةِ ، وَأَرَادَ الْبَارِي (جَلَّ شَأْنُهُ) مُعَالِجَتَهَا عَلَى يَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَقْبَلِ احْتِجَاجَ مُعَسْكَرِ أَهْلِ الشَّامِ فِي مَعْرَكَةِ صِفِّينَ بِالْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ ، لٰكِنَّهُ صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِ احْتَجَّ بِهِ عَلَى مُعَسْكَرِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فِي مَعْرَكَةِ الْجَمَلِ . وَالنُّكْتَةُ : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ فِي مَعْرَكَةِ الْجَمَلِ : أَنَّ حُجِّيَّةَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فَوْقَ احْتِرَامِ وَحُرْمَةِ أَزْوَاجِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ ، وَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ فِي مَعْرَكَةِ صِفِّينَ : أَنَّ حُجِّيَّةَ الإِمَامِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِمْ ـ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ الْقُرْآنُ النَّاطِقُ ـ مُهَيْمِنَةٌ عَلَى حُجِّيَّةِ الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ ـ وَهُوَ الْقُرْآنُ الصَّامِتُ ـ . أَمَّا فِي مَعْرَكَةِ النَّهْرَوَانِ فَأَرَادَ صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِ ـ مِنْ خِلَالِ بَيَانِ قَوْلِهِ : « مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ (وَهُمُ الْخَوَارِجُ) ، لَيْسَ كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَصَابَهُ (وَهُمْ : مُعَاوِيَةُ وَعَمْرُ بْنُ الْعَاصِ وَجَمَاعَتُهُمَا) » ـ أَنْ يُبَيِّنَ : مَرَاتِبَ أُخْرَىٰ لِلْحُجِّيَّةِ ، وَهِيَ : مُحْكَمَاتُ وَبَدِيهِيَّاتُ وَضَرُورِيَّاتُ الْوَحْيِ ، وَكَيْفِيَّةُ تَطْبِيقَاتِهَا عَلَى التَّفَاصِيلِ ، وَالتَّطْبِيقَاتُ مِنَ الأُمُورِ النَّظَرِيَّةِ فَلَا تُقَدَّمُ عَلَى حُجِّيَّةِ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِمْ أَيْضاً . فَقَوْلُهُمْ : « إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلّٰهِ » مُحْكَمٌ مِنْ مُحْكَمَاتِ وَبَدِيهِيَّاتِ بَيَانَاتِ الْوَحْيِ(1) ، لٰكِنَّهُمُ ارْتَطَمُوا بِالضَّلَالِ وَالزَّيْغِ وَالانْحِرَافِ ؛ نَتِيجَةَ تَطْبِيقِهِمُ الْخَاطِئِ وَالْمُضِلِّ . وَهَذَا الْمَحْذُورُ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَ إِبْلِيسَ (عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ) فِي وَرْطَتِهِ ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَحْفَظْ أَوْ يُحَافِظْ عَلَى مَرَاتِبِ الْحُجَجِ الإِلٰهِيَّةِ تَطَاوَلَ عَلَى خَلِيفَةِ اللّٰهِ وَحُجَّتِهِ . إِذَنْ : الْكُفْرُ بِالرُّتْبَةِ كُفْرٌ عَظِيمٌ . وَهَذَا مَا يُوَضِّحُ : أَحَدَ التَّعَابِيرِ الشَّائِعَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ ـ وَهُوَ تَعْبِيرٌ مُهِمٌّ وَدَقِيقٌ جِدّاً ـ وَهُوَ : (حِفْظُ الْمَرَاتِبِ مِنَ الإِيمَانِ) . وَقِسْ عَلَى ضِدِّهِ دَفْعَ الْمَرَاتِبِ وَإِنْكَارَهَا ، وَالْخَلْطَ وَالْخَبْطَ بَيْنَهَا ؛ فَإِنَّهُ كُفْرٌ خَفِيٌّ حَاجِبٌ عَنْ تَرَقِّي مَرَاتِبِ الإِيمَانِ . وَهَذَا أَحَدُ أَسْرَارِ مَعَانِي وَحَقَائِقِ بَيَانِ زِيَارَةِ عَاشُورَاءَ : « ... وَلَعَنَ اللّٰهُ أُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقَامِكُمْ ، وَأَزَالَتْكُمْ عَنْ مَرَاتِبِكُمُ الَّتِي رَتَّبَكُمُ اللّٰهُ فِيهَا ... »(2) ، وَمَضْمُونُ هَذَا الْبَيَانِ الشَّرِيفِ نَفْسُ مَضْمُونِ بَيَانِ قَوْلِهِ (تَبَارَكَ اسْمُهُ) : [تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ](3) ؛ فَإِنَّهُ بُرْهَانٌ وَحْيَانِيٌّ دَالٌّ عَلَىٰ وُجُوبِ وَلُزُومِ حِفْظِ الْمَرَاتِبِ . وَعَدَمُ التَّفْرِقَةِ الْوَارِدُ فِي بَيَانِ قَوْلِهِ (جَلَّ قُدْسُهُ) : [لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ](4) نَاظِرٌ إِلَىٰ أَصْلِ : الْمَنْظُومَةِ وَالْمَسِيرَةِ وَالْهَدَفِ ، وَهَذَا ـ كَسَابِقِهِ ـ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ ، وَمَعْنَاهُمَا : أَنَّهُ كَمَا أَنَّ وَحْدَةَ الْمَنْظُومَةِ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ كَذٰلِكَ تَعَدُّدُ مَرَاتِبِ الْحُجَجِ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ أَيْضاً . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)يوسف : 40 . (2) بحار الأَنوار، 98: 291. مصباح الطوسي: 538ـ 542 . (3) البقرة : 153. (4) البقرة : 285